آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

دمشق وخباياها من المعالم المعمارية المجهولة

ثلاثاء, 14/03/2017

يعيدنا المسيرُ في دمشقَ القديمةِ، إلى تركيباتٍ اجتماعيةٍ وحياتيةٍ ودينيةٍ وعقائديةٍ، تعاقبت على دمشق العاصمة المأهولة الأقدم على وجه الأرض، دمشقُ بسورها وبيوتها وأسواقها وشوارعها وزخارفها المنتشرة على المباني، بمختلف المراحل الزمنية التي بنيت فيها، فما يُشاهد من دمشق ما هو إلا نذرٌ يسيرٌ مما هو مخبأٌ في باطنها، فجوهرة دمشق غير باديةٍ للعيان، كما هو سرّ جوهر السيف الدمشقي المحيّر لعقول العلماء.. دمشق بشارعها المستقيم (شارع مدحت باشا) الذي لا يزال يتحدّى عوامل بشرية وطبيعية حاولت تغيير مساره، يستقيم بين باب الجابية وباب شرقي، معلناً أنّه الحدّ الفاصل بين المبالاة واللامبالاة. دمشق بمعبدِها وبحرمِه الأهم -خلال العصور الآرامية والهللنستية والرومانية- وبكنيسة يوحنا المعمدان، والذي ينهض فوقها جامع دمشق الكبير (الجامع الأموي)، وبقلعتها الشامخة على الطرف الشمالي الغربي للمدينة القديمة (داخل السور)، تلك القلعة من نوع "المرجلة" (المبنية في السهل) خلال العهد الأيوبي أيام الملك العادل (1143-1218م)، والتي تخبئ في داخلها قلعة تعود إلى العهد السلجوقي الأقدم، أي إلى أيام نور الدين الزنكي، والذي توفي فيها عام 1176م، ومن المعروف أنّه كان لقلعة دمشق العائدة للعهد الأيوبي بابٌ خشبيٌ (باب السرّ) في الجهة الغربية، يفتح فوق خندقٍ مملوءٍ بالمياه. وممّا يثير الدهشة ساكفٌ حجريٌ يرتفع متراً واحداً تقريباً، وذلك إلى الجهة الشرقية وهو ما كان يكوّن المدخل الشرقي (باب جيرون) لمعبد الإله جوبيتر خلال العصر الروماني، إنّه لشيءٌ غريبٌ أن يُشاهد ساكفٌ على ارتفاع مترٍ واحدٍ، وهو يلاصق المدخل الشاهق الارتفاع من جهة اليسار للداخل، ممّا يدلّ أن مستوى الطريق خلال العصر الروماني كان على عمق عدّة أمتارٍ، أمّا المدخل الغربي (باب البريد) والذي يشمخ بعظمةٍ وفخامةٍ مهيبةٍ فوق نهاية سوق الحميدية، ذلك السوق الذي يتموضع كذلك فوق خندق قلعة دمشق، والذي يسير فوقه كلّ يوم آلافٌ من البشر، دون أن يدروا أنّ مكان ذاك السوق خلال العهد الأيوبي (1176-1260م)، خندقاً كان يُملأ بالمياه القادمة عبر فرعٍ سائرٍ من نهر بردى، تحت قلعة دمشق ليملأ الخندق، بالماء الغزير المساهم في صدّ هجمات الأعداء. وإلى الجنوب الشرقي قليلاً من السوق ينهض قصر العظم (متحف التقاليد الشعبية)، الذي بني عام 1749م، بهمّة وحرفيّة جمعية البنائين الدمشقيين، حيث ينهض على أنقاض قصر الخضراء، والمبني خلال عهد معاوية بن أبي سفيان". أشياءٌ وأشياءٌ مجهولةٌ مكنونةٌ في دمشق متخفيّة غير ظاهرة للعيانِ أيضاً، ومنها قصر الأبلق المختبئ تحت التكية السليمانية، ذلك القصر الذي بني بعهد الظاهر بيبرس أيام حكمه لسلطنة المماليك 1260-1277م. في دمشق القديمة تستمر الزخارف التي صممها السوريون منذ آلاف السنين بالظهور على الجدران، وعلى سواكف الأبواب وعلى الأعمدة، فنرى على الكورنيش المدخل الغربي لباب معبد الإله جوبيتر (باب البريد) وعلى التيجان الحاملة له زخرفة لنبتة الأكانثا، تلك النبتةٌ التي ترمز للتجدد والخلود حسب المفاهيم الفلسفية والعقائدية في العصر الروماني. كذلك تتأنق زخارف جميلةٌ على المدخل الجنوبي لمعبد الإله جوبيتر، والذي بقي منه جزءٌ ظاهرٌ مغلقٌ، منذ أن تحوّل المعبد إلى كنيسة يوحنا المعمدان، ومن تلك الزخارف السهم والبيضة رمزا الحياة والموت، كما وتتكئ نبتة الآكانثا بزخارف بهيةٍ عليه، كما نستطيع مشاهدة أحد أشكال الزوبعة بتكرار وتناظر أنيقين جداً، وبشكلٍ مستمرٍ على أطراف المدخل والزوبعة هي أحد رموز القوة والنهوض. إنّ ما يظهر من تلك الأبنية في معالم دمشق خلال عصور سابقة للعهد العثماني بين البيوت والمنشآت المبنية بمعظمها، والتي بنيت بأيدٍ سوريةٍ دمشقيةٍ وبتخطيط البنائين والمعماريين الدمشقيين، والذين كان لهم جمعية حرفية خاصة بهم، يتعاملون بأسرار البناء ويجسّدون فلسفةً خاصةً وعمقاً فكرياً، من خلال تشييد الأبنية والمنشآت الفخمة والضخمة على حدّي سواء. إنّ ما يظهر من تلك المعالم، لهو النذر اليسير الذي استطاع البقاء من المبنى الفلاني أو غيره، مبرّزاً الوجه الحضاري للأمة السورية المستمدّ من تاريخها العريق. 

رقم العدد :