آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

أيام لا تنسى.. الرسالة الواحدة والثلاثون...نظرة في العمق

اثنين, 11/01/2016

تمر ذكرى انطلاق المقاومة الفلسطينية في مطلع العام الجديد وهي مثقلة بأحمال وتراكمات تنظيمية وإدارية تعود لخمسين عاماً مرت، مشحونة بانفعالات دخيلة تغلب عليها الفردية والشخصانية، ذات أهداف ومصالح تخدم إعادة إنتاج القيادات ذاتها باستنساخ ملحوظ ومكرر لنفسها، ما أدى إلى استهلاكها فكرياً، وترهلها إدارياً وتفككها تنظيمياً، إما لعدم وجود عقيدة فكرية جامعة سوى نظرية التحرير، أو لاستنفاد القيمة الفكرية للمدلول العقائدي الذي تم إطلاق المنظمة على أساسه، أو الاستسهال واللجوء إلى الاقتباس من حركات تحررية سابقة، وخاصة ذات المنشأ الشيوعي أو الاشتراكي، وعلى الأغلب انغماس هذه القيادات في التفاصيل الصغيرة لكي تحافظ على كيانها القيادي، وهذا ما أبعدها عن هدفها الرئيسي الذي كان سبب وجودها وتجاوزت الخط النضالي الذي رسمته لنفسها منذ ولادتها الصعبة والعسيرة عام 1965 والتي تأخرت سبعة عشر عاماً على اغتصاب فلسطين، عندما ننظر بعمق بعد مرور نصف قرن على هذا التأسيس، نلحظ التشتت والبعد جلياً واضحاً عن الهدف المرسوم والمعلن والغاية النبيلة التي كانت سبب ولادتها.

أول الرقص.. التحول
مرّ حزيران 1967 قاسياً مؤلماً، ولكنه أفرز عدداً من التحولات التنظيمية، أهمها كان كثافة الحشد والتأييد الشعبي الذي حظيت به المنظمات الفلسطينية، الذي أنتج طاقة أشعرت القيادات بالقوة، وكان لابد من إيجاد طريقة لتوظيفها في المشروع النضالي التحرري وفشلت.. مما زاد الضغط على القيادات غير المؤهلة تنظيمياً منذ التأسيس، فبدلاً من توظيفها في أعمال فدائية ونضالية تخدم قضيتها اتجهت للداخل (البيئة الحاضنة لها لتثبت وجودها).
وفي نفس الوقت، كانت نتائج مؤتمر ملكارت القومي ندية واعدة، وزاد معدل التداول في الكيان الشامي في فكر سعادة وإشارته المبكرة للخطرين التركي في الشمال والصهيوني في الجنوب أخذ مكانه في نفوس السوريين، وألهبت أفكاره القومية وكتابته عن البطولة المؤيدة بصحة العقيدة مشاعر الشبان في سبعينيات القرن الماضي، وترافق ذلك إذاعياً ذِكْر الرعيل الأول أهمية التوافق بين النظرية والتطبيق في العقيدة السورية القومية الاجتماعية، وصادف بنفس الوقت أول (تحول في الاتجاه للبندقية الفلسطينية) وكنا فتياناً سبعة ضحايا هذا التحول (دون أن ندري) انجرفنا تحت شعار حماية وإنقاذ المقاومة الفلسطينية، والجدير ذكره أن ثلاثة منا في اللحظة الأخيرة كان لهم تحفظ للذهاب وأكثرهم وضوحاً (ا-ج). إن الذهاب قد يوصل للموت وهذا مخالف لطموحه، (اليوم هو عضو في مجلس الشعب). والأمر الآخر الغريب الذي بقي في الذاكرة لفظة (تعفيش)، سمعتها للمرة الأولى في الأردن ثم في لبنان والآن يمارسه طلاب الحرية.
التحول الثاني في الاتجاه (للبندقية الفلسطينية) أتى بعد خمس سنوات في لبنان، وبلغت شدة الانغماس حدها الأعلى وفقد الآلاف مصدر معيشتهم وآلاف آخرون حياتهم وعشرات الآلاف منازلهم، والأخطر أتى عندما بدأ اللعب بالعامل الديني وهُجر سكان مخيم تل الزعتر ومناطق عديدة على أساس طائفي، وتم خلط الأوراق بين حركة وطنية وجبهة قومية من ناحية وانعزالية مواجهة لها، هكذا وبكل بساطة بات واضحاً أن المولود الطائفي (الفرنسي– الإنكليزي) الذي دفن عام 1860 أعيد إلى الحياة بتعديل أدوار الصراع الطائفي ودخول العدو الصهيوني كلاعب رئيسي على الأرض اللبنانية، وما إن خرجت الفتنة من بيروت حتى عاودت الدخول من بوابة طرابلس، وارتقى العشرات من القوميين الاجتماعيين شهداء واجب، وفي مقدمتهم الشهيد عاطف الدنف مهندس عملية الفرار الكبير لأكثر من ثمانين مناضلاً من مخيمات الأسر في أنصار؛ لم يستطع العدو النيل من عزيمته، طالته يد الغدر الطائفية مع العشرات من أبطال الجيش السوري والحركة الوطنية اللبنانية، والجبهة الشعبية لتحرير لواء اسكندرون التي آلمها الاجتياح الصهيوني للجنوب اللبناني ولبّت نداء الواجب وقدمت العديد من الشهداء في أرنون وقلعة الشقيف، كان في مقدمتهم الشهداء حنا مبتون وخضر قلش وقوة دين كولاكشي. وفي طرابلس ارتقى سليمان قلش شهيداً في سبيل القضاء على الفتنة الطائفية وكان ذلك التورط الثالث (للبندقية الفلسطينية).

بيت الأمة...
علّمنا سعادة معنى الأمة السورية، وأقسمنا على أن مصلحة سورية فوق كل مصلحة، واعتبرنا أن كل من يدخل منزلنا كأنه يدخل بيتاً للأمة استناداً على قاعدة: (الدماء التي تجري في عروقنا هي ملك الأمة متى طلبتها وجدتها) فإذا كانت الدماء ملك الأمة فحكماً المنزل كذلك، وهنا السؤال: كيف نسمح لمن دخل بيت الأمة آمناً.. أن يدمّره؟

(بداية الخطر مذهبة
البندقية الفلسطينية)
حدث التورط الرابع لبعض من يحمل (البندقية الفلسطينية) في مخيم اليرموك، وهو الأخطر لأنه ارتضى أن يكون أداة بيد الوهابية السياسية التي تتبنى تكفير وذبح كل من لا يرتدي عباءتها أو يقبل بمنهجها الصهيوني، وهنا يتبادر للذهن سؤال آخر أهم:
أين المصلحة الوطنية للبندقية الفلسطينية في تورط كهذا؟ في التحقيق القضائي أول وأهم سؤال يطرح: من المستفيد؟.. منذ بعض الوقت طرح العدو وسوّق (ليهودية الدولة) واكتفى المتنورون ومدّعو الثقافة بإصدار البيانات المنددة، وأن إجراء كهذا لا يمكن القبول به، وبذات الوقت لزموا الصمت تجاه الأفكار الوهابية، بل إن البعض أخذ يسوق لها متجاهلاً تأثيرها المدمر على فلسطين وما يحضر لها، وأنها سوف تستغل لبعثرة سورية إلى كيانات طائفية، وأن الذي عمل على إنتاج هذا المخطط الطائفي كان يدرك مدى ضعف بعض النفوس تجاه العامل الديني والمصالح النفعية والمادية، ولهذا أصبح (أصدقاء سورية) كثيرين وطريق تحرير القدس يمر من مخيم اليرموك في دمشق.

سن الرشد...
الرفض في الأسرة يحدث حسب رأي علماء الاجتماع عندما يتحسس الفتى الشعر تحت إبطه أو يراه في الأماكن الحساسة، ويبدأ تدخله في شؤون أشقائه أو أمور المنزل، ويرتفع مع ازدياد النمو في شعر وجهه، ولكن لم يشر أحدٌ منهم لنوازع عدوانية أو لفعل هدم بنيان أو كيان الأسرة، مابين أيدينا يتوافق في الشكل ويختلف في المضمون الذي إذا عدنا إليه في الدرس والتدقيق فسنجد نفس النقاط قبل التورط الذي بدأ بطرح شعار (القرار الفلسطيني المستقل). إن تراكم الأخطاء لا ينتج إلا خطأ أكبر على الصعيد الشخصي، أما على الصعيد الوطني فتكون مصيبة يحمل وزرها أجيال، ومن الصعب التخلص من تبعاتها بسهولة، وللأسف وقع المحظور قبل بعض الوقت، فالعقلية الانهزامية جاهزة دائماً لإنتاج ما يخدم غايتها أو مشروعها أو هدفها وفي الأمثال العربية الكثير (أما آن لهذا الفارس أن يترجل).. وإن جنحوا للسلم.. وما اتفق على تسميته (اتفاق الضرورة) ودفنت الثلاثية الشهيرة التي شكلت إجماعاً لدى فصائل المقاومة الفلسطينية (لا للاعتراف لا للصلح لا للتفاوض) وحصلت الواقعة في أوسلو...
في هذه قالت حنان عشراوي: إن التفاوض والاتفاق حدث بين وفد المحتلين كاملاً ومفاوض فلسطيني واحد، وعند إنجاز الاتفاق دعي كامل الوفد للتوقيع وتم الاعتراف بالعدو (الإسرائيلي وسيطرته على 78 بالمئة من الأرض) واليوم هناك على أرض فلسطين من يدفع الثمن غالياً، دماء ذكية لشباب كان واعداً لمستقبل الأمة ليستطيع تحصيل 22 بالمئة التي وعد بها، وتتابع قولها: (وبذلك تم تقسيم الشعب الفلسطيني بين مؤيد لأنه وجد مكاناً له ولأقربائه وأولاده في الوظائف لدى السلطة، وآخر معارض لاكتشافه أنه خدع، وهذا يوصل إلى اتفاق باريس الاقتصادي الذي رهن السلطة للبنك الدولي وسمح له بالتدخل بجميع التفاصيل الداخلية).

العين تقاوم المخرز
هذا منافٍ لقانون الطبيعة، ولكنه حاصل على أرض فلسطين مع صمت ما يسمى مجتمع دولي، لكن من غير المفهوم أو المبرر تصرف الدول العربية أو جامعتها التي كانت حاضرة لتعليق عضوية سورية، وتجاهل أعمال القتل لمجرد الاشتباه في فلسطين بغض النظر عن العمر أو الجنس، الملفت خبر في الصحافة الغربية يشيد في الحرية والعدالة لسلطات الاحتلال اعتماداً على الخبر الذي نشر في صحيفة العدو (هآرست) الذي يفيد بإنشاء تحقيق قضائي مع جندي قام بإطلاق النار وتسبب بقتل جمل، هذه الصورة البراقة عن حرية الصحافة هي التي يتلقفها الغرب ويعيد نشرها ويتغافل عما نشر في نفس الصفحة، وهو خبر مفاده: قام الجنود بإطلاق النار على فتاة اشتبه فيها أنها كانت سوف تقوم بطعن جندي بسكين!.. قتل حيوان يثير الغرائز الحيوانية لدى دعاة الحرية والعدالة الغربيين وآلاف من البشر قتلوا ويقتلون على مدار العام ولا يرف لهم جفن؟؟!!.

بين الأمس واليوم...
تبنت المقاومة الوطنية اللبنانية العمليات الاستشهادية تجاه الاحتلال الصهيوني في الجنوب بعد عدد من الدراسات التي قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي، أكدت أن الصراع مع العدو هو صراع وجود وليس صراع حدود، وأعدت خطة حزبية جهادية واعدة كانت سناء محيدلي باكورتها، التي ارتقت شهيدة بعمل بطولي مميز، وأدى هذا الأسلوب النضالي الذي تابع به حزب الله إلى تحرير جنوب لبنان، للسؤال: لماذا نجح هذا الأسلوب النضالي في الأمس؟ بينما اليوم يوصف بالإرهاب؟! ما الذي اختلف، وكيف تحول العمل النضالي التحرري إلى جريمة؟! فلسطين هي نفسها مازالت محتلة، بل زادت معاناة أبنائها إلى حدود غير إنسانية لم تمارس في التاريخ على أي من شعوب الأرض، ونصبت جدران الفصل العنصري وأعدت الطرق الالتفافية، ما شكل معاناة مضاعفة للوصول إلى المدارس أو الأراضي الزراعية أو المراكز الصحية عند الضرورة.
1- النضال الوطني للتحرير معترف به من كل دول العالم وخاصة ما يسمى شرعية دولية، وعندما أخذ النضال صبغة دينية فقد شرعيته القومية وأُلبس ثوب الإرهاب من خلال عدد من العمليات أوجعت الغرب وأفرحت العربان (بن لادن وشركاه).
2- تخلي منظمة التحرير بعد أوسلو عن الكثير من مبادئها التي كانت سبب ولادتها وأدت لاعتراف المجتمع الدولي بقضيتها العادلة، هذا التخلي دفعها للاستنكار والتنديد بأي عملية فدائية تحدث ضد العدو، هذا التنصل أضر القضية الفلسطينية.
3- مجرد القبول بجزء من الأرض الفلسطينية في المفاوضات أصبح هذا الجزء الذي قبل به من فاوض صعب المنال، والعدو أدرك هشاشة ووضاعة الوفد المفاوض عندما قدم لكل عضو فرصة اقتناء بدلة تجاوزت قيمتها الألف دولار وساعة (هذا ما عرضه فيلم وثائقي فرنسي عن مرحلة المفاوضات) كعربون صداقة وجدية للوصول لحل (الرسول قبل الهدية).
4– عندما أنشأ منظمة التحرير كان أساس العقد مع شارعه (ثورة حتى النصر) لتحرير كامل التراب الفلسطيني، ولدى إفلاسه وفشله في المقاومة وللحفاظ على مركزه القيادي، أطلق مفهوم الحصول على شيء أفضل من لاشيء (اتفاق الضرورة).
5- عندما استلم حزب الله راية المقاومة اللبنانية وتبنى عقيدة النضال المسلح للتحرير لم يحدْ عن الهدف المرسوم وسجل من اللحظة الأولى عدم اهتمامه بأي مكاسب مهما كان نوعها ولم يُلبس أي إنجاز قام به عباءته الدينية، وظل مواظباً بخطه النضالي.
6- تقصير الصحافة لا لعجز في الإمكانيات المعرفية أو الثقافية وإنما في أسلوب الخطاب والجهة التي يستهدفها هذا الخطاب، فمنذ سنوات ارتكز على المواطن العربي الذي هو في الأساس منذ نعومة أظفاره يُلقَن من هو العدو وكيف اغتصب الحقوق ولم يتجه إلى لعب دور الفعل أو التأثير الذي لعبه المحافظون الجدد في الغرب، حتى إنه لم يهتم في الكتابة في الصحافة الغربية لشرح أبعاد القضية الحقيقية لكسب تأييد المواطن الغربي الذي عُبّئ رأسه بمغالطات حاقدة. وحتى إن فعل فستكون الغاية مادية أو تحول إلى بوق.
7- لم يتجه الحقوقيون أو أصحاب الاختصاص للمحافل الدولية ذات التأثير، أو للمجتمع المدني أو للجمعيات الحقوقية وإن فعل البعض ارتكب نفس الخطأ الذي يقع فيه، أغلب الحقوقيين العرب لا يعرفون أهمية الوقت وكيفية استغلاله فيهدرونه بذكر ماذا فعل وماذا يريد أن يفعل العدو ويتركون قضيتهم الأساس وعدالتها إلى الآخر، أقتبس لأستاذ في القانون: (الشيطان له أبواق، ولصاحب الحق صوته الذي يجب أن ينطق بالحق والحقيقة) الرفيق المرحوم حسن مخلوف.

عودة على بدء...
المنظمة بنظر الأمم المتحدة: مجموعة من الأفراد لهم هدف معين يستخدمون طريقاً أو أكثر للوصول إليه، المنظمة هي شخصية اعتبارية لها كيانها المستقل عن الأفراد المكونين لها وتدار بواسطة مجلس إدارة منتخب بواسطة الجمعية العامة للأعضاء، وتنقسم المنظمات إلى نوعين حكومية وغير حكومية...
المنظمة حسب علماء التنظيم: هي كائن ذو شخصية جماعية إنسانية موحدة لها مظهرها المزدوج، مظهر للتنظيم الداخلي ومظهر للشكل الخارجي المميز لها، وهذا يؤدي إلى اكتساب المنظمة للشخصية لغير المنخرطين فيها، وهذا ما يمكنها من الدخول في علاقات واقعية أو قانونية خارج نطاقها، وتصبح بذلك كتلة مشيدة هندسياً يلعب فيها الأفراد أدوارهم ويكتسبون قيمة جديدة بحكم تمركزهم في كيان يسيطر على الأجزاء التي اندمجت فيه، وبذلك تتجاوز المنظمة العلاقة بين الأجزاء إلى مرحلة العلاقة بينها وبين الغير.
هذا غيض من فيض لا يغطي سوى جزء يسير من مفاعيل التأسيس لمنظمة التحرير الفلسطينية لغاية اليوم، (وما خفي أعظم)، لكن من المؤكد بعد كل هذه السنوات أنه لابد من ضخ دماء جديدة تلتزم بالقواعد الأولى التي تستند على الحقوق لتعيد تنشيط العمل ولتبني عليها حقيقة وجودها ولتنفض عنها غبار الترهل الذي أصابها من جراء السياسات الخاطئة والمهادنة والمدمرة لمجمل القضية، لأن الوطن للجميع ولا يملك أي كان مهما بلغ شأنه القيادي حق التصرف بأي شبر منه، وهناك حكمة كان الآباء الأولون يقولونها: تفاحة فاسدة في صندوق لا يعني فساد الصندوق كاملاً إذا تم إبعادها في الوقت المناسب، والأهم لا يجوز اعتبار التفاح ضاراً بالصحة لمجرد وجود واحدة عفنة.
وهناك المزيد لنقوله.
ابن اسكندرون السوري
عبد الغني البيلاني 

رقم العدد :