آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

آل سعود "وأحرار الشام" أو البراغماتية عندما تكون مؤشراً على عمق المأزق

اثنين, 21/12/2015

البراغماتية السياسية التي تقوم أساساً على فلسفة الذرائع والتي تعتبر أن نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة (البراغماتية مدرسة فلسفية نشأت في الولايات المتحدة العام 1878م) تتيح لمن يتبنونها نوعاً من حركة مطاطية تمكّن صانع القرار السياسي من القفز فوق حاجز الثوابت المعتمدة تقليدياً في صناعة القرارات ومنها المسائل الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية.
وعندما ورد ذكر هذا المصطلح في مقال نشره الفيلسوف الأميركي تشارلز ساندرس بيرس في كانون الثاني من العام 1878 لم يكن الأمر جديداً من حيث الممارسة العملياتية، فالسياسات لطالما كانت تتحدد وبدرجة كبيرة تبعاً لعوامل المنفعة الاقتصادية، إلا أن ما فعله بيرس هو أنه قام بتأطيرها داخل مدرسة فلسفية وسياسية، وبمعنى آخر وضع الأسس اللازمة لشرعنتها في مواجهة المدّ الأيديولوجي والعقائدي الذي كان قد ساد في أوروبا في أعقاب ثورات 1848م، ولذا من الواجب أن نقول إن ما فعله بيرس كان نهاية لمسار معيق وليس بداية له.
من البراغماتية إلى النيوبراغماتية
سرى انتشار تلك المدرسة كما النار في الهشيم داخل المجتمعات الغربية منذ مطلع القرن العشرين المنصرم ليكتسب ذلك المسار بعد سقوط منظومة الدول الاشتراكية العام 1989 زخماً قوياً، إذ لطالما كانت هذه الأخيرة تعلن أن الأيديولوجيا والعقائد هي الخزان الأساسي الذي تستمد منه سياساتها، كان واضحاً أن ذلك المسار في صعوده الصاروخي سوف لن يقف عند حدّ معيّن، خصوصاً بعد سلسلة النجاحات التي حققها حتى بات من الممكن القول إن البراغماتية قد نجحت وإلى حد بعيد بسحب البساط من تحت أقدام ذوي المبادئ والشعارات التي باتت تنتمي إلى "عصور منقرضة" وهي لا تساعد على مواكبة التطور الحاصل على امتداد هذا العالم وفي جميع ثناياه.
في الآونة الأخيرة، ولربما مع مطلع القرن الواحد والعشرين قفزت تلك المدرسة (البراغماتية) قفزة نوعية جديدة بحيث لم تعد تسميتها الأولى كافية لتوصيفها، لذا من الممكن أن يطلق عليها مجازاً اسم (نيو براغماتية) التي تعتبر نموذجاً أكثر مطاطية لما هو مطاط أصلاً، حتى لتكاد الخيوط الأيديولوجية أن تصبح كخيوط العنكبوت الواهية، في حين تبرز إلى الواجهة خيوط المنفعة الاقتصادية كبديل قادر على أن يكون الرافعة التي تحمل الأهداف إلى مراميها المنشودة.
إلا أن النتائج المتوخاة عادة من السياسات البراغماتية قد تصبح عكسية أو ترتد على غاياتها عندما تتعدى (تلك السياسات) حدوداً معينة من الواجب تحديدها بدقة لا يدركها الخطأ تحت طائلة السقوط في هاوية لا قرار لها ولا أحد يدرك الأعماق التي يمكن أن تصل إليها منذ عدة أشهر –تلك التي سبقت- انعقاد مؤتمر الرياض للمعارضة السورية (9 و10/12/2015) كان من السهل علينا أن نرصد العديد من إشارات الغزل المتبادلة ما بين الرياض وما بين حركة أحرار الشام (تأسست 11/11/2011 على يد حسان عبود الملقب بأبي عبد الله الحموي) التي تعرف بأنها تنظيم سلفي جهادي يستمد أيديولوجيته من أفكار القاعدة وإن كانت هيكليته قد تشكلت من كوادر سورية لم تؤهلها خبراتها المحدودة من النجاح في العمل الإسلامي العالمي إبان احتكاكها بالسلفية الجهادية العالمية، ولذلك فإن تصنيف تلك الحركة يمكن أن يكون في منتصف الطريق الواصل بين رأس الهرم الذي تمثله جبهة النصرة (فرع القاعدة في بلاد الشام) وما بين قعره الذي يمثله الإخوان المسلمون (تأسس تنظيم الإخوان المسلمين في سورية العام 1945).

الصناديق السعودية تغدق
على "أحرار الشام"
حظيت أحرار الشام بدعم مالي سعودي كبير يقوم على أرضية واسعة تنطلق من وجوب دعم أي فصيل عسكري أو سياسي معادٍ للحكومة السورية إلا أن وزنها الحقيقي في الميزان السعودي لم يكن قد توضح تماماً إلا منذ مطلع العام 2013 عندما عمدت السياسات السعودية العملياتية إلى تحييد تلك الحركة عن الأوامر الملكية التي أصدرها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز مطلع العام 2013، كانت تلك الأوامر قد ذهبت إلى تصنيف جبهة النصرة وكذلك الإخوان المسلمين (وفصائل أخرى عديدة بالتأكيد) على لوائح الإرهاب السعودية، إلا أنها استثنت حركة أحرار الشام من ذلك التصنيف، والسؤال هنا: كيف يمكن أن يتم تصنيف رأس الهرم ويتم تصنيف قعره فيما يغيب وسطه الذي تمثله هنا حركة أحرار الشام؟
لم تذهب الرياض نحو تطبيق ما جاء في تلك الأوامر الملكية السابقة والتي يمكن القول إنها قد حددت الثوابت السعودية التي تتناسب مع التركيبة الاجتماعية والثقافية (والدينية) تلك التي تضمن استمرار النظام السياسي القائم في السعودية، في حين أن ما أخذ منها كان ما يلائم الأهداف السعودية المرحلية، فقد جاء فيها (في تلك الأوامر) مثلاً أنها "حرمت على السعوديين القتال في الخارج" في حين أن الممارسة العملاتية كانت تقول بتجاهل هذا الأمر بدليل دعمها المطلق لجيش الفتح (تأسس 25 آذار 2015) والذي احتوى بين فصائله على المئات من المقاتلين –والقياديين- السعوديين كانت الصورة التي ظهرت عليها مشاركة الحركة في مؤتمر الرياض غاية في الاضطراب، فقد أعلنت في اليوم الأول من المؤتمر انسحابها قبل أن تعلن في اليوم الثاني عن تراجعها عن ذلك الانسحاب ولتكون من أوائل الموقعين على البيان الصادر عنه عبر ممثلها إلى ذلك الاجتماع لبيب نحاس مسؤول العلاقات الخارجية للحركة (وقد أثار ذلك التوقيع زوبعة داخل الحركة لم تنقضِ فصولها بعد وليس مقدراً لها أن تنقضي قبل حدوث متغيرات كبيرة إما أن تكون بالإطاحة بالحالة القائمة أو تكون انشقاقاً تنظيمياً ينتج عنه فصيلان لربما يكون الأشد عداءً بين الفصائل).

تياران داخل الحركة
احتوت الحركة على تيارين اثنين كانا قد تمايزا منذ العام 2013 والصراع القائم فيما بينهما شديد التأثير على أداء الحركة السياسي والعسكري على حد سواء، التيار الأول ويتزعمه لبيب نحاس وهو يريد الذهاب نحو السير في حلول سياسية للأزمة ومن المهم هنا أن نشير إلى أن نحاس كان قد نشر تموز وآب الماضيين عدة مقالات في الواشنطن بوست دافع فيها عن العلاقة مع الغرب ودعا إلى وجوب تقويتها، معتبراً أن تلك العلاقة لا تتناقض مع الشريعة الإسلامية، أما التيار الثاني فيتزعمه أبو قتادة الفلسطيني الزعيم الروحي والذي يصر على الحلول العسكرية وعليه فإنه يدعو إلى زيادة الارتباط مع تنظيم القاعدة ورفض العلاقة مع الغرب مهما تكن الصورة التي يمكن أن تكون فيها.
يمكن الآن القول إن البراغماتية السعودية قد انتقلت إلى مرحلتها القصوى والتي أطلقنا عليها (نيو براغماتية)، فالموقف السعودي من أحرار الشام بات علنياً ورسمياً، في حين أن القضاء السعودي يسمي تلك الحركة بـ(الخوارج) أي الكفرة، وهي تسمية وردت في العديد من محاكمات كان قد تعرض لها أعضاء سعوديون متهمون بالانتماء إلى أحرار الشام كانوا قد عادوا إلى بلادهم، وكذلك فإن الإعلام السعودي (والموالي له) يذهب في هجومه على الحركة إلى حدّ اتهام كوادرها بالفسق والفجور والخروج عن الدين الإسلامي، وليس سراً أن المنظمتين السابقتين (القضاء والإعلام) تقعان داخل أبسط غرف صناعة القرارات السياسية في المملكة، فكيف يمكن قراءة هذا السلوك إذاً؟

السياسات السعودية أمام حائط مسدود
النيوبراغماتية السعودية هنا تشير إلى وصول السياسات السعودية في المنطقة والعالم إلى حائط مسدود ربما يزداد تأكيد هذا الأمر عبر تصريحات عادل الحبير المسعورة والتي ما انفك يرددها منذ أن تسلم منصبه الذي هو فيه في آذار الماضي، خصوصاً تلك التي تطول الرئيس بشار الأسد، فعندما تتجاوز الدبلوماسية كل الأعراف وكل التقاليد والمحظورات، فإن ذلك يجب أن يكون مدعاة للتبصّر في الدوافع التي أدت إلى سلوك هذا المسار، وهي عادة لا تكون سطحية أو تقبع في القشور وإنما تتعداها لتصل إلى الأعماق وإلى اللب الحافظ لشبكة الأعصاب، وفي إطار البحث والتحليل (عن) و( لـ ) تلك الدوافع، فإن الأمر يجب أن يخلص إلى رسم صورة بانورامية شاملة للسياسات السعودية على امتداد المنطقة والعالم، فهي الأولى تشهد مأزقاً خطيراً في اليمن وفي العراق وسورية ولبنان، وهي في الثانية تشهد ولادة جنين عالمي يؤسس لمواقف سياسية غربية أكثر تشدداً تجاه التركيبة الدينية والثقافية الحامية للنظام السعودي وتدعو إلى اتخاذ قرارات حاسمة بوجه ذلك النظام الذي ترى فيه نظاماً قرووسطياً من الصعب عليه دخول هذا العصر. 

رقم العدد :