آخر تحديث بتاريخ الاثنين 18/07/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي
العدد كـPDF
تصنيف حسب العدد

الرسالة الخامسة والأربعون أيام لا تنسى... الإنـتـاج حـق وخـيـر للأمـة أيها المـنـتـجـون فـنـاً وفـكراً وغـلالاً " سعادة "

ثلاثاء, 09/05/2017

في أحلك الظروف التي كانت تمر على أهلنا كانوا يسعون جاهدين لإزاحة العثمانيين والتخلص من أدواتهم وولاتهم الجاثمين على أرض سوريانا الحبيبة لأكثر من أربعة قرون والتحرر من قوانينهم الجائرة، فقد كانت الأعمال العامة في أغلبها تقع تحت مظلة السخرة التي برعوا في فرضها وتعميمها أو الإكراه والإجبار لتنفيذ أوامر الدولة العليّة، وفي نفس الوقت بمطلع القرن العشرين كانت فرنسا وبريطانيا والإرادات الخارجية المتمثلة في (عصبة الأمم) تتربص بنا لسلب حقنا الطبيعي والمنطقي في الاستقلال، بل تتكالب للسطو على حقوقنا المشروعة في الحرية والحياة، وتسعى للانقضاض على إرادتنا الوطنية بحجة تأهيلنا لحكم أنفسنا مستخدمة تعبير انتداب.

عقب الاستقلال عن تركيا وكنتيجة للمعاناة الطويلة نشأت نظرة جديدة للمجتمع وخاصة للحياة والكون والفن أوجدت رؤية مختلفة للأعمال، وظهر لدى من يقوم بها فهم جديد بحيث أصبح للقضايا الإنسانية حيّز ودور ومكانة للفرد في المجتمع وارتباط أكثر بمفهوم العمل والإنتاج، وتحول العمل من مجرد عمل للارتزاق والعيش للعيش إلى مدى مفتوح تندمج فيه وتتفاعل علاقته مع الآخر من بناء الفرد وصولاً للأسرة من خلال وضع العمل ضمن إطار الواجب العام، هذه النظرة الجديدة للعمل بمنطوقها الإنساني لم تلغ أو تقضي على النظرة القديمة للعمل بالكلية، ولكن فتحت أمام من يتعاطاه أفقاً بعيدة وإمكانية سريعة للتطور وخاصة بعد إجلاء المستعمر الفرنسي، بحيث انتقل العمل من إطار تحصيل الرزق وقوت الأسرة الشخصية إلى الاندماج بحركة بناء الدولة وصولاً للأمة من خلال مفهوم ومعنى وطن ومواطن، أي الانصهار بحركة المجتمع وتلبية حاجات ومستلزمات تطوره وخاصة عندما بدأ بسعيه للحصول على العلم قبل الدخول في معترك الحياة العملية وتحول مفهوم العمل والقيام به من مدلول محدود للمنفعة الذاتية إلى معنى آخر منحه إياه علماء الاجتماع، وعلى رأسهم سعادة، حيث ارتبط محصل عملهم بالمرحلة الأولى ليس في الأجر وحده وإنما بمحصل الإنتاج وبالتالي بدأ تعميم نظرة جديدة للعمال لأنهم تحولوا إلى منتجين وأخذ المجتمع ينظر إلى إنتاجهم الجيد بعين الرضى والاستحسان ووظف هذا الإنتاج في تدعيم البناء الداخلي للدولة العصرية التي تخدم الإرادة الوطنية الناهضة، وفي مقدمة الأعمال وخاصة الزراعية أشار سعادة لأهمية وجود الآلة لتطوير العمل وزيادة الإنتاج.

العامل والآلة..

برزت الآلة في بداية القرن الماضي بشكل واضح وبارز بالعالم الغربي واندمج العمال معها بكليتهم حتى أصبحوا تفصيلاً صغيراً جداً من تفاصيلها الموجعة، ودفع الكثير منهم ثمناً باهظاً لقاء ذلك بعضاً من أجزاء أجسادهم أو حتى حياتهم، ونتيجة قلة السبل لتحصيل الأرزاق وقلة الخيارات المتاحة كان هناك دائماً من ينتظر دوره بشغف رغم معرفته بالمخاطر ليشغل المكان الذي فرغ، قابله في ذات الوقت سلب حقوق واضح فاضح للعامل الذي تضرر من جبروت أصحاب الآلة مع تصلف وتجبر المدراء والمشرفين، ومن مفارقات القدر وحده العامل في العالم الجديد أول من تحرك مطالباً في حقوقه لا للضرر الذي يلحق به وبزملائه، ولا لاكتشافه الغبن في الأجر الذي يتقاضاه مقابل ساعات العمل الطويلة أو لرغبة منه بتطوير نمط حياته وأسرته ومكان سكنهم ونوعية الطعام الذي يتناولونه، ولا لحقه الطبيعي والمشروع في الحصول على العلاج اللازم عند إصابته في العمل ولا.. ولا..
بكل بساطة حدث كل ذاك التحرك ولسخرية القدر لأن من كان يسيطر على الجريمة المنظمة في أميركا (المافيا) أكتشف أن هناك مورداً جديداً يمكن أن يدر عليه المكاسب الكثيرة والكبيرة حتى أكثر من الأعمال غير المشروعة التي كان يرعاها من القمار إلى المشروب والمواخير وتجارة الرقيق وغيرها، ففي العالم الجديد كل شيء مباح، فبذات الوقت الذي كان يسجل فيه حقوق الابتكار والاختراع وصولاً لحقوق الإنسان كان هناك من يعد ويحضر لوضع اللبنة الأولى لما سمّي لاحقاً إضراب وصولاً إلى ولادة النقابات المتعددة فحتى الجريمة أصبح لها نقابتها المنظمة.

يا عمال العالم..

صرخة أطلقها القيّمون بعد نجاح الثورة البلشفية في الاتحاد السوفيتي ذهبت إلى العمق كنظرة جديدة للعمال، طالبين منهم الاتحاد وليصبح بعدها شعاراً (يا عمال العالم اتحدوا) ولإطلاق ذلك وتعميمه أعدوا نمطاً شكلياً مختلفاً يبرز معالم الجسد كدلالة على القوة ونظرة ثاقبة توحي بالجدية والعزم وثوباً جميلاً ليصبح بعدها مدعاة للفخر والاعتزاز، واعتمدت ملصقات وتماثيل للعمال فرادى ومجموعين ظهر فيها العمال والفلاحون بسواعد ذات عضلات مفتولة وهامات باسقة ولباس أزرق أنيق موحد، وأدخل بالمشهد المطارق والمناجل إيحاء للعزم وللقوة والجدية والعنفوان ولتتبنى هذا الأسلوب بعدها معظم الأحزاب الشيوعية في العالم وزيادة في التقدير وكدلالة على الأهمية وضعوا في كل معمل وفي الأماكن البارزة بالمدن والساحات أيضاً صور للعمال المتفوقين في العمل كتب أسفلها (أبطال..) وذهبت الإدارات أكثر باتجاه تكريم العمال المميزين ومنحتهم المكافآت المالية والحظوة بقضاء الإجازات المدفوعة الأجر وسمحوا لهم في العطل بارتياد المخيمات الترفيهية التي أنشئت لهذه الغاية في المنتجعات على الشواطئ وفي الجبال والمناطق السياحية، تقديراً لما أنجزوه وحافزاً لاستغلال الآخرين وتشجيعهم على زيادة الإنتاج مما أوصلهم إلى ارتباط أكثر بالآلة، حيث شلّ التفكير لديهم لعدم توفر الوقت فأصبحوا أسلس في الانقياد، ومع مرور الوقت تفصيلاً أو جزءاً منها، وبذلك لم يختلف شيئاً بمفهوم العمل والعمال طوال سنوات سبعين وعادوا بعدها للمربع التاريخي الأول بعد تشظي الاتحاد السوفييتي. في مكان آخر وفي وقت مقارب للثورة الصناعية في العالم جاء من طرح شيء مختلف تماماً.

سعادة والعمل..

تميز سعادة عن أقرانه ومعاصريه بطريقة مقاربته للمواضيع التي تتناول القضايا الوطنية والشأن القومي بوقت مبكر، ففي مقالة له عام 1932 تحمل عنوان" التفكير العملي والإصلاح الاجتماعي قال: أول ما يجب أن نبدأ به هو أن نحول التفكير النظري الذي لا يحقق شيئاً بذاته إلى تفكير عملي يدفعنا إلى العمل على تحقيق ما نؤمن به ونعتقد بصلاحه. أكرر القول بوجوب اعتمادنا على التفكير العملي لأن العصر الذي نعيش فيه عصر عمل وتحقيق مطالب عليا.. قد سمعتم إنه قيل (إن الأعمال بالنيات) أما أنا فأقول (إن النيات بالأعمال) "للمزيد آثار ج 2 ص13.
أما ما يتعلق بالشأن القومي الاجتماعي، فقد شمل الاقتصاد في تعريف الأمة على أنها حصيلة التفاعل بين الجماعة البشرية والبيئة الطبيعية في الدورة الاجتماعية الاقتصادية، واعتبر الاقتصاد (الدورة الاقتصادية) هو المثبت للوجود القومي وهو المرسخ لهذا الوجود، ويؤكد في المحاضرة الثامنة "أما تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج فهو الطريقة الوحيدة لإيجاد التوازن الصحي بين توزيع العمل وتوزيع الثروة" وكذلك في تعريفه العلمي للأمة والمجتمع أثبت أنها وحدة العوامل المادية النفسية وليست وحدة العوامل النفسية المجردة، على هذا الأساس أصبحت المصلحة القومية في أمس الحاجة للتنمية الصحيحة الفاعلة واقتضت المصلحة القومية العمل على بناء اقتصاد وطني شامل لكل مكونات المجتمع، من هنا ولدت الحاجة للتصويب في المفاهيم الوطنية وبدأ بروز مفهوم الإنتاج فيقول: الإنتاج، أساساً، هو المفتاح للقضية الاقتصادية كلها. دون الإنتاج لا يمكننا أن نحل مشكلة واحدة من مشاكل الاقتصاد في مجتمعنا." المصدر السابق. وبذا ظهرت المعادلة الاقتصادية الاجتماعية واضحة لديه الوطن أو الأمة لتنهض تحتاج للتنمية أو الأصح إلى ثورة اقتصادية والآلة لها أهميتها وتوفرها يسرع ويسهل العمل، والعامل بقيمته (المادية والروحية) الإنسانية يعزز وجودها ودورها في الإنتاج بقوة إرادته وسواعد أبناء الأمة، من هنا ولدت الحاجة للمنتجين وليس للعمال الذين يثبتون حضورهم لمكان العمل وتواجدهم لكي يتقاضوا جعالاتهم المادية عقبها متكئين على شعارات فارغة وبراقة عن الشكل رغم عدم الإنتاج (بطالة مقنعة) ولذلك لم يهتم سعادة بالشكل والقشور، بل ركز وصب جل اهتمامه وتعاليمه على المضمون (الإنتاج والمنتجين) وقال: ليس منطبقاً على قواعد التقدير المنصف التي تتصف بها الحركة وتشجيع جميع العاملين بإعطاء جهودهم التقدير اللائق بها وإحلالها المحل الجدير بأهميتها، وحين يرى القوميون إن إنتاجهم الجيد يوضع في منزلة ثانوية بينما الإنتاج الثانوي يوضع في المكان الأولي يتسرب الشك بالعدل إلى نفوسهم ويصيبهم القنوط والتراخي. ولعل هذا ما هو حادث الآن. رسائل ج 1 ص 138.
وتوجه سعادة إلى الأمة مخاطباً في بيان عيد العمل عام 1949 (أيها العمال والفلاحون السوريون -يا أصحاب الفنون والحرف- أيها المنتجون علماً وفكراً وغلالاً وصناعة، أنتم أوردة الحياة وشرايين القوة في جسد الأمة السورية الحي، أنتم الأمة خلقاً وإنتاجاً وتشييداً... بإعطائكم حقوقكم في العمل ونصيبه.) من ذلك اليوم أصبح للعمل يومه المميز وسجل يوم العمل كذكرى جليلة لنضال مفتوح، وفي مكان آخر أضاف إن الوطن يحتاج إلى سواعد تبني وعقول تفكر، وهكذا نستطيع أن نلمس بوضوح لدى سعادة أن الإنسان المحصن بالقيم الاجتماعية هو مقصد والعمل كقيمة إنسانية مطلب فلنرفع في هذا الزمن الصعب سوية المقصد والمطلب للإنتاج.
وهناك المزيد لنقوله عن يوم العمل. 

الكاتب : عبد الغني البيلاني / رقم العدد : 762

غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.

سعاده

مساحة حرة
لو دققنا النظر في تجربة الثورتين التونسية والمصرية من حيث هما ثورتان نجحتا في القضاء على الحاكم المستبد، لتبين لنا أن ما تبقى عليهما إنجازه أكثر بكثير مما أنجزتاه حتى الآن.
رفة جناح
أن تهرع إلى قبور الشعراء، فهذا يؤكد أن خطباً هائلاً ألمّ بالحياة!.
كاريكاتير
عداد الزوار