آخر تحديث بتاريخ الاثنين 23/05/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي
العدد كـPDF
تصنيف حسب العدد

لماذا يهرب الناس إلى الثقافة والفنون؟

ثلاثاء, 09/05/2017

الوضع الاقتصادي وتأثيره على اهتمام الناس بالمعارف وتعلم الفنون

رغم أن الخبراء يقولون إن انتشار الاهتمام بالثقافة دليل عافية بالنسبة للمجتمعات، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة للمجتمعات المتخلفة والواقع تحت خط الفقر من حيث القدرات الشرائية وفرص العمل وغير ذلك من المقاييس، فالهروب إلى الثقافة يمكن أن يعتبر خياراً حتمياً بالنسبة لشباب يبحثون عن شخصياتهم المختلفة في واقع صعب ومرير من الناحية الاقتصادية.. صحيح أن الكثير من أفراد الطبقات المخملية يتعلمون الفنون من أجل الترويح عن النفس ومواكبة العالم المتحضر، لكن هذه الحالة لا يتعدى كونها بريستيجاً لدى هذه الفئة، أما بالنسبة للمجتمع الأهلي المنهمك بالمنتديات والجمعيات وإقامة المشاريع الثقافية والفنية الكبيرة، فإن القضية تختلف تماماً، إذ إن الأغنياء يتعاملون مع الأمر كهواية في وقت الفراغ أما المجتمع الأهلي الفقير فيعتمدها كمنهج لتأكيد شخصيته وحضوره وإظهار إمكانياته العالية في التخطيط وتحقيق النتائج عالية المستوى..

نظرة سريعة على ما أنجزه المجتمع الأهلي على صعيد العمل الثقافي ومعظم أعضاء تلك النشاطات من الطبقات الفقيرة، يمكن أن تؤكد حقيقة الاستنتاج الذي وصلنا إليه من أن الهاجس الثقافي يمكن أن يشكل بديلاً للهاجس الإنتاجي في الأماكن الأخرى عندما تنعدم الفرص وتغيب العدالة في توزيع الوظائف والأعمال.. الملفت في الموضوع أن الكثير من الأثرياء في آخر عمرهم ينبرون إلى الفنون من أجل التعويض عما قضوه في جمع الثروة، وكأنهم يريدون أن يجمعوا المجد من أطرافه كما يقول المثل، فبعد أن مضى العمر في تخزين البضاعة وشراء العقارات وما شابه من أساليب تتعلق بالمرابح المالية، اكتشفوا أن ما ينقصهم هو المجد المعنوي وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة إلى الثقافة والفنون، لذلك لن نستغرب عندما يهرع أولئك إلى تأسيس نواد وصحف ومجلات وجمعيات تدفع بهم إلى المقدمة مزودين بقوة المال وليس بالإمكانات، بل إن بعضهم يدخل مجال التأليف وطباعة الكتب وكتابة الشعر والأدب، فيبدأ بعد سن متأخرة بإصدار عشرات المؤلفات بناء على القدرة المالية وليس المعرفية، وغالباً ما يكون هنا مؤلف يجلس في الظل يضع كل تلك الكتب للثري الجالس في الواجهة بسبب الحاجة المادية في حين يقطف الثري النقص المعنوي الذي يلزمه!.
في معاهد الموسيقا، يتحدث الطلاب عن متعة كبيرة أثناء العزف، بل إن بعضهم جعل كل أحلامه تتلخص في الحصول على غيتار من النوع الممتاز أو أورغ من النوع العالمي الشهير.. لنقل إن البيئة التي دخل إليها أولئك الشباب كانت كافية لدفعهم إلى الاهتمام بفضاء يناسب أعمارهم وحالتهم الاجتماعية والاقتصادية.. هل يمكن أن نتحدث عن توازن كبير سببته تلك الفنون لدى الشباب المتعلمين؟ وهل يمكن أن نقول إن ما نريد قوله بالتنظير الممل يمكن اختصار عبر الموسيقا والشعر والأعمال المسرحية؟. بالتأكيد هذا الأمر حقيقي ويجري يومياً على الأرض حتى في المراحل الصعبة من الحرب العسكرية والاقتصادية، لكن المطلوب كما أسلفنا هو إمكانية إحداث التوازن بين العامل المادي والعامل النفسي!. هل على المرء أن يخسر أحد الجانبين المهمين عملياً للحياة؟.
يقول علي، طالب صف ثامن، إنه لم يكن متحمساً في البداية إلى الدوام في المعهد الموسيقي خلال الصيف لكنه الآن يدخل عامه الثاني في هذا المعهد وهو سعيد جداً بعد تمكنه من قطع أشواط كبيرة في تعلم العزف على آلة العود، فهي بالنسبة إليه أصبحت مثل الرفيق الذي لا يبارحه.. يقول: يحب أبي الموسيقا كثيراً وقد حاول أن يعلمني العزف على الآلات فاخترت العود وكان يخبرني دائماً أن الموسيقا تشكل فضاء مريحاً بالنسبة للإنسان فهي قادرة على إحداث التوازن لديه وقادرة على فتح الآفاق وجعله مبدعاً عن حق.. يتحدث علي عن أصدقاء وصفهم بالفقراء مادياً بشكل كبير، حيث إنهم لا يملكون آلات موسيقية يعزفون عليها لكنهم يستعيرونها من الأصدقاء وبالتالي فبعضهم يتحدث عن رغبة تنتابه أثناء وجوده في المنزل للعزف على الغيتار مثلاً، لكن ذلك غير متاح بالنسبة إليه لأنه لا يمتلك آلة موسيقية بكل بساطة.. يقول علي: الفقراء ملاحقون حتى في تعلم الفنون والموسيقا على رأسها حتى يتطلب تعلم هذا الفن ميزانية مالية كبيرة من أجل شراء الآلات!.
في السنين الأكبر سناً، نكتشف الأمور بشكل أوضح، ففي معهد أدهم اسماعيل يخضع الكثير من الشباب الناضجين لدورات في الرسم والتلوين، بعضهم تشجع للأمر من أجل مرافقة ابنه أو ابنته، ومن ثم استمر لأن المسألة راقت له كثيراً وقد ارتاح لممارسة هذا الفن وتخلص من القلق وغير ذلك.. فهل الفن قادر على إحداث هذا التوازن؟ يقول ياسر: لقد بدأت بالقدوم إلى معهد تعلم الرسم منذ عدة أشهر واكتشفت متعة كبيرة بالرسم والتلوين، أقلها تفريغ الشحنات السلبية التي تعصف بي وتجعلني مضطرب المزاج، حيث أقوم اليوم بفتح دفتر الرسم من أجل صياغة الإشكالية والانفعالات وهي مسألة تسبب لي الكثير من الراحة.. لذلك لابد من الحديث عن حالة نسميها التعليم بالفنون والتربية بالفنون ومقاومة التطرف بالفنون.. الفنون قادرة على خلق الإنسان الجديد لكن لابد من توفير بقية المستلزمات إليه حتى لو كانت في حدها الأدنى فالإنسان في النهاية كل متكامل ولن نقول إنه سيكتفي بالموسيقا أو قرض الشعر أو الرسم، فهو يحتاج مصادر رزق وتكاليف دورات ومواصلات وطبابة وغير ذلك، لذلك فإن الفنون تأتي في الغالب على هامش الهوايات تمارس في أوقات الفراغ!.
الجمعيات الأهلية التي تدرس الفنون وتقيم الدورات المجانية أو رمزية التكاليف من أجل تعليم الفنون المختلفة، تثبت إمكانية الرهان على الفنون في العمل التطوعي أو الاكتفاء بالمرابح البسيطة التي من شأنها تسديد التكاليف فقط، ولنستعرض المجتمعات التي تنتشر فيها الفنون المختلفة ولنقارنها بالمناطق التي يغلب عليها التخلف والجهل وغياب المعارف.. الفارق يبدو كبيراً ولا شك!.
درجت خلال السنوات الماضية طقوس جميلة في المدينة مثل عزف الموسيقا في الحدائق وعلى الأرصفة، وقد أثبت العدد الكبير من الناس الذين تجمهروا وجلسوا في المكان من أجل الاستماع إلى الموسيقا الكلاسيكية أو المحلية السورية، أن الفنون تعتبر خياراً بالتأكيد، وكانت لقاءاتنا مع عينات من أولئك الناس دليلاً على مصداقية الفنون وتحملها مهمة النافذة والإطلالة المختلفة بعيداً عن هموم الواقع والانغلاق والنمطية أو النظرة أحادية الجانب..
الفنون يمكنها أن تعلم الحوار وتقبل الآخر واحترام القناعات المغايرة مهما بدت نافرة.. تقول مهاة، معلمة موسيقا، إنها لا تتحاور إلا من خلال العزف، حتى في المنزل حيث يتقن أبناؤها العزف على بعض الآلات البسيطة، تعود الجميع على تفريغ الشحنات وإحياء الأفراح عبر العزف الموسيقي وكانت تلك ظاهرة رفعت من شأن جميع الأفراد في الأسرة.. تقول: تؤكد المعطيات العلمية أن الإنسان الذي لا يفرغ طاقاته الكامنة وأفكارها التي يمكن تسميتها بالمواد الأولية، تتحول إلى مشكلة بالنسبة للروح والجسد، لذلك فإن تعلم أحد الفنون يعتبر نافذة لدخول الأوكسجين إلى الجسد والروح على حد سواء...
تثبت التجربة وجود فارق واضح بين من يتعلم الفنون والآخرين الذين يمارسون المهن العادية، حتى إذا كان هذا الإتقان من باب الهواية، فإن هدوءاً يعصف بالنفس البشرية عند تواصلها مع الفن بشكل لا يشعر به الإنسان العادي الذي يقضي معظم يومه في ممارسة أشياء عضلية مثلاً أو سلوكيات لا تمت إلى تحريض النفس والانفعالات بشكل قوي.. النقطة المهمة في هذا كله، هي إمكانية اعتماد الفنون كبدائل تربوية تحل مكان العديد من الأساليب، بل إن عودة المناهج الفنية إلى المدارس مع الاعتناء بها قدر الإمكان، تعتبر مطلباً وطنياً أكثر من أي وقت مضى، فالتجربة في مجتمعات العالم تقول إننا بالفنون يمكن أن نزيح الجهل والفقر والتطرف!. 

الكاتب : أرواد قطريب / رقم العدد : 762

غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.

سعاده

مساحة حرة
لو دققنا النظر في تجربة الثورتين التونسية والمصرية من حيث هما ثورتان نجحتا في القضاء على الحاكم المستبد، لتبين لنا أن ما تبقى عليهما إنجازه أكثر بكثير مما أنجزتاه حتى الآن.
رفة جناح
كل مرة نبدأ فيها الكتابة عن الحرب، نكتشفُ أننا قد اعتدنا الدم!. أو أننا في الحد الأدنى، تآلفنا مع البقع الحمراء التي تتجمعُ تحت الأجساد المستلقية باستسلام فوق الإسفلت!.
كاريكاتير
عداد الزوار