آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

فاصلة...الانترنت هي الحياة

ثلاثاء, 26/04/2011

تتعلق الكائنات البشرية بقشة أمل حتى لو من مجهول عابر في فضاء الإنترنت، وتزداد قوتها من الكلمات أو الصوت القادم من هناك.. من مكان لا يتصل بالأحداث اليومية ولا نمر عليه كما طريقنا إلى العمل أو إلى المنزل، ثم إن الصدف تجمعنا كل يوم بأناس لا يعرفون عنا شيئاً ولا يهمهم أن يعرفوا، تماماً كما نريد نحن الذين نقبع خلف أجهزتنا المحمولة لساعات طويلة نقرأ ونكتب ونتواصل مع كل العالم، رغم ذلك في لحظة ما نتذكر أن ثمة علماً أبيض يرفرف في قمة قلوبنا.. ليس الحب بالتأكيد بل هذا الفراغ الكبير الذي يفصلنا عن المجتمع بفضل تخديم أغلب ما نريد عبر الإنترنت والكمبيوتر.. يفصلنا لأن الحياة تزداد سرعة بعدوها ونحن لا نكترث لسنواتها القصيرة إذا تحول وقتنا إلى حجم عمل علينا تقديمه لقتل الملل والوحشة..
التمتع بالأمل إحساس شفاف وإنساني للغاية، لكن دفق العيون وحده يشعرنا بذاك الأمل، دفق الصوت الذي لا يحتاج إلى نداء دولي حتى يصلك عبر الهاتف النقال.. لا يحتاج وحدات أكثر من الثمانين.. لا يحتاج هاتفاً نقالاً أصلاً..! الصوت الذي يصدر في لحظتها أمام عيوننا، نحفظ حركة الشفاه وإيقاع الصوت ولون العيون والوجه تماماً كما تحفظ قطعة الرخام ضربة إزميل النحات على جسدها.. هنا على الشبكة العنكبوتية لا تأتي الهزيمة بوصفها افتراضاً، بل لأننا نؤمن أن الافتراض هو حل موضوعي للتواصل مع أناس لا نعرفهم، لا نستثمر تلك الخدمات في التعرف من ثم اللقاء، بل نصر أن نبقى جبناء مهزومين تحت وطأة الافتراض.. الهزيمة هنا على شكل وحدة إنسانية فرضتها حاجيات المجتمع، هزيمة إلكترونية حتى لو تحججنا بالأرواح على أنها صلة وصل لا مرئية، هذه المحاولات البائسة بجعل الافتراض شيئاً من الحقيقة الاجتماعية والعاطفية في كل تجربة تثبت فشلها أكثر من الثانية، لولا أن معظم من نتواصل معهم عبر الإنترنت هم في محيطنا اليومي أو على الأقل في هذه البلد التي نعيش فيها، لمَ شعرنا للحظة بجدوى هذا التواصل، لمَ افترضنا أصلاً أننا نتواصل ونحب ونهوى ونتصارع ونضحك ونتبادل الرسائل الورقية في أحسن الأحوال والإلكترونية دائماً..
الكاتب أو الصحفي أو الطبيب أو أي مختص في مجال معين ويحتاج لأن يكون في حوزته مكان عمل ثابت وكمبيوتر محمول وتوابعه، سوف تجبره العاطفة أن يبحث عن أحد عبر الإنترنت، أن يبحث عن مغامرة أو كلمة جميلة أو كائن يشبه كائنات أحلامه المغرورة.. المشكلة ليست في آلية البحث بل في ديمومة البحث في الافتراض..! هناك كائنات اشترت (وايرليس) إنترنت فضائي جوال حتى تشعر بوجودها، لم يعد بإمكان كثير من الناس الذين هم على علاقة يومية مع الكمبيوتر أن ينقطعوا ليوم واحد عن الماسنجر أو رسائل الشّات والسبب بالتأكيد هو الهزيمة الاجتماعية..!
إن التواصل الاجتماعي ولو عبر تبادل الكتب بين الأصدقاء ووجهات النظر يفوق تلك العزلة التي تتركها فسحة الإنترنت اللانهائية، وهذا الأمر لا يصدر نمواً فكرياً سليماً، إذ تتعلق معظم القضايا بمضمونها البصري أكثر من جوهرها العلمي، وهذا الإدراك يغيب كثيراً عن ذهن مدمني التواصل الإلكتروني، فالأيادي تلوح بانفعالات مضحكة، والعيون تقول كلاماً جديداً دائماً، كيف ستستطيع الفسحة الافتراضية اختصار ذلك..؟ المكان بوصفه صخب الذاكرة وعصبها الفعلي يترك حضوره القوي في زوايا الروح، أما في الإنترنت فالجو مختلف، يمكنك أن تحذف من تشاء وتقترح من تشاء وهكذا تبقى بجميع الأحوال مهزوماً اجتماعياً ولا قدرة لديك على كسب ابتسامات حقيقية للأصدقاء والغرباء..
قد تجتمع مع أناس رحلوا عن طريقك في وقت مضى، لكن قدرهم بلقائك سيكون حتى لو لم تتواصل معهم في فضاء الإنترنت.. لا أحرض على هجرتك أيتها الشبكة العنكبوتية، بل أطلب أن تأخذي قسطاً من الراحة في يومياتنا الساكنة، فنحن نكاد نتحول إلى مجرد كائنات فضائية افتراضية لا قدرة لديها على الضحك أو البكاء أو الحب أو الإبداع.. هل الإنترنت هزيمة إلكترونية حقاً؟


amrlood@gmail.com 

رقم العدد :