آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

خشبة خلاص.. أم قشة للغريق؟

ثلاثاء, 14/02/2017

موسم دسم من الفنون مر خلال الأيام الماضية، تلك التصاعدية المريبة تجعل الفن خشبة خلاص أو قشة يتعلق بها السوريون في هذه المرحلة من الصعوبات المعيشية وقلة الخيارات الاقتصادية والبرد.. ففي وقت واحد شهدت الصالات معارض تشكيلية والمراكز الثقافية ندوات وأمسيات شعرية وغنائية وتكريمات وقراءات كأن الجميع يريد أن يلحق قبل أن يفوت الأوان أو لكأن الأمر كما عبر أحدهم عندما قال إن الثقافة والفنون هي الدليل الأخير على أننا ما زلنا على قيد الحياة!.
على ضفتي نهر الفنون تظهر التناقضات متجاورة في كل فن، فمثلما تحضر الألوان الفاقعة والمشرقة، تحجز الألوان القاتمة مكانها المفضل قرب الأبيض والأزرق البحري.. ومثلما يغني المؤدون أغنيات التراث والماضي، يحاول شباب أن يؤدّوا الراب بكلمات يؤلفونها ويعزفونها بأبسط الأدوات لنسمعها بعد وقت قصير على اليوتيوب..
العالم يدافع عن نفسه بالشعر، إنها الكلمات المشحوذة مثل الرماح الحادة كفيلة بأن تنقش كامل المشهد على نتوءات الأيام القاسية.. يكتب العاشقون بأسى عن الحبيبات القاسيات في عيد الحب، يحلمون بالورود الحمراء التي يصعب شراؤها وبالمزهريات المحطمة في منتصف الحرب.. العملية تبدو صعبة لكنها حاضرة يقترفها الجميع من أولئك المصنفون بالمجانين.
قد يكون من أبرز معالم معارض التشكيل اليوم، ذلك الجنون اللوني الذي يمكن اكتشافه ضمن كوادر الأعمال الفنية الكثيرة التي تملأ الصالات، إنها الفورات المفاجئة التي تؤكد أن هناك انعطافات تعصف بجميع التجارب الفنية التي نعرفها في المشهد، لم تبق تجربة على حالها، بل إن الانقلاب يبدو قاسماً مشتركاً دون اتفاق مسبق، مثلما هي الحالة بالنسبة للمعجم الذي يكتبه من يسمون بشعراء الحرب، تلك القواميس المطحونة بالخطر والبرد والفقد، لم يعد لديها خيارات سوى الانهمار على غربان المعاجم القديمة في عملية تشبه الرجم من أجل اكتشاف الجديد.. ترى أين كانت كل هذه الكتابات النائية والناتئة على محاور الوجع؟.
الفنون تنتشل البشر اليوم، وليس الموضوع مرتبطاً بالترف أو ممارسة الهوايات في أوقات الفراغ، بل إن القضية أكبر مما نتصور وقد لا يتمكن أصحابها من شرحها بالشكل الكافي!. إنه السلاح الأمضى والأخير للدفاع عن الحياة، يستله الآن الناس من أجل أن يثبتوا لأنفسهم أنهم مستمرون رغم كل الهول الذي يعصف بالحواس الخمس أو العشر..
تحول المشهد إلى عبارات من أشق أنواع العذاب!. زركشة الجداريات الحزينة بالألوان القاتلة المصفرّة أو الباهرة والمعتمة، من أكثر الهول الذي يعصف بأصابع الفنانين.. في دفاتر الذائقة ينتصر الكثير مما ستفعله الظروف القاسية بالفنون، إنها التحولات الكبيرة في الذائقة والتدمير الهائل في المخيلة.. إنها الانبلاجات التي نراها على صعيد نثرات في هذا الفن أو ذاك، لكن التبلور الكبير لم يبدأ وخلع الجلد والتنكر للآباء القريبون لم يعلن حتى الساعة.. قد يكون الجميع بانتظار امتلاك الأدوات والشب فوق الطوق بما يكفي للقضاء على الماضي بضربة واحدة.. وإلا سيتكرر المشهد وتستعاد الحرب عند كل جيل!. 

رقم العدد :