آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

"بعيني.. أعض على الحياة" لعلي الطه الأمل على أطراف العاصمة

اثنين, 26/09/2011

يخرج الشعر أحياناً من كناية العنوان وغواية التنظيم الشكلي لبنية القصيدة الواحدة، لتتحول الكلمات إلى زخم شعري موحّد يجمعه خط فني تحكم انحناءاته التجربة العمرية، ومقدار الشعر المختلف ليتجاوز العناوين المفردة ضمن طبق شامل من الحوادث الخاصة التي لا تكتب إلا شعراً.. كما في مجموعة الشاعر السوري علي الطه الأولى بعد تجاوزه الأربعين عاماً، يصدر الآن مقاطعه الشعرية تحت عنوان واحد «بعيني.. أعض على الحياة» عن دار الينابيع الدمشقية- 2009، محاولاً تجميع بيانه الذاتي والنفسي وتحولات عواطفه بين طفولته في شمال سورية وبدء صعلكته الخافتة في حارات دمشق القديمة، ليعيد مع نفسه حسابات الألم وكيّ دمامل الوحشة مشبّهاً حبيبته بالحنين: (سأعود للفرات/ هناك/ حيث ثلاث قاراتٍ قديمة/ تلعب النرد في رهان على السماء/ وبعد السماء تتراهن عليكِ)ص14، يبني الشاعر علاقته مع اللغة بوصلة ذاكرة تعيده إلى طموحاته الأولى بالحصول على أحلامه في العاصمة، لكن الخذلان كان مصيره المنتظر، لذا تبدو لغته متفاوتة في المستوى بين غنائية تقليدية تنتمي إلى الريف ونثرية حرة تنتمي إلى دمشق لا تقيدها الحالة بقدر ما تتسع على بقعة الأمل بصدى خفيف وخجول للحياة بعيداً عن باقي الشعراء: (ألتف بالخيش على سور حريتي الخائبة/ للحبّ برهة../ تتساوى فيها المداخل والمخارج)ص18، ثمّ يعترف أخيراً بأن مضيفته العريقة لا تعرفه رغم أنه هجر هواء أهله وعاداتهم، وقرر تنفس تفاصيل حبيبته فقط: (هذا الصباح/ لم أشرب تنفسها.. في قلبي/ فقط شربت القهوة/ في مدينة لا تعرفني)ص42.
يبدو قلق الطه في هذه المقاطع الشعرية أيسر طريقة لتفسير تأخره بطباعتها، لأنه يشعر أنه غريب حتى على أرضه، يكفيه أن يتلعثم باللهجة الشامية حتى تضيع بوصلة كبريائه وتزهق طموحاته بالانقلاب على الذات: (يكفي خطأٌ لفظيٌّ/ لتواجه المرآة/ مقلباً نفسك كساعة الرمل/ ما تبقى لتصعد الأدراج متعثراً/ كأنما/ أضعت كل شيء في بلد غريب)ص61، وقناعته بالابتعاد عن كل شيء ضريبتها مصيره في الشعر كرحالة لا مأوى له إلا القصيدة المعاشة فقط: (قبل تعلمي كتابة اسمي/ فوق الدفاتر الملطخة بالرصاص/ ودوار الشمس/ تعلمت الرحيل)ص64.
يهرب من الغربة إلى الحب بحنكة نملة تائهة وسط بحر من الغرام، فتواجهه الحيرة كصفة أبدية للعاشق، وبين التهكم والمداعبة تردد له أنثاه: (سأختار لك اسماً/ يناسب حيرة عينيكَ/ استدل على تململ أعطافي/ أمام الضوء/ استدل عليّ/ من وحام الورد/ من آثار عضتك أعالي السرّة)ص66، إذاً تحدد له حبيبته اتجاهات الفرح لكن الشعر يجبره على الضياع بانتظام مستمر: (كي أكونك/ لا بد من معجزة/ لتحول الدماء التي تتجول في أوردتي/ إلى شغف وحبر)ص 87.. كثيراً ما يتوقع كل من يعيش خارج دمشق أن ثمة إغواء مادياً تحمله في بطنها تلك العاصمة، يحفز على القدوم إليها بشغف من أقصى المدن، إلا أن مراكزها الشعرية الجمالية منذ آلاف السنين هو الثمن الوحيد الذي يعيش الشاعر تحت تأثيره صعلوكاً ذائباً بمفردات الطبيعة الشهية من بردى إلى غربان المتحف الوطني إلى وراقي الرصيف وحارات باب توما الحميمة... فيقبل على نفسه لقب (البوهيمي) ويرضى أن ينام تحت مواقف الحافلات كي يستقبل صباحاً جديداً وأملاً مرجواً.. كما يحدث تماماً مع الشاعر علي الطه في مجموعته «بعيني.. أعض على الحياة» فهو هجر عقليات أهله وتفاسيرهم للحياة وأفعالها الجنونية على حساب ضمه إلى تفاصيل دمشق والعضّ على جرح الحنين حتى يرضى بالإقامة الجبرية في الغرف الرطبة للسكن العشوائي على أطراف العاصمة واضعاً أربعين عاماً من الغربة في قصائده هذه، حتى لم نعد ندرك ما الذي يريد أن يقوله بالتحديد! (دمشق ثلجاً/ أستعير من بائع الشاي كأسين/ لأصب لي و.. لي/ عابراً ابن العربي/ ومرتعشاً باتجاه التي تومئ لي أن أخلع قفازها الأسود/ لنغيب في زوبعة بيضاء/ كالمولوية). 

رقم العدد :