آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

أنعم بالعمى ليس هروباً ولا خياراً بقدر ما هو خلاصٌ روحي

ثلاثاء, 04/04/2017

الشاعر أحمد نصرة: الحزن مترف في الألق لأن منتهـــاه الإنســـان الحـــر النبيـــل
لِمَ تكتب؟... لأنعمَ بالعمى!.
اللغة السرية محضُ افتراء.. يلجأ العقل لها.. اذ تعجز اللحظة عن التقاط اللحظة.. باللحظة.. سمعتُ موسيقى يديك,.. فاكتفيت..
أستنير بالعمى.. وأكتبُ حكمتكِ ببدائيّة التّكوين.. لحركة الحياة.. أنا المائيّ، المستقرّ، المتحرّك، ابنُ التضادّ، بين الطّبيعة.. وبين الكلمة.
هذه الشذرات للشاعر أحمد نصرة مختارة من ديوانه "أنعم بالعمى" إصدار دار بعل وهو الديوان الثالث بعد "توضأت بنبيذ" عن دار أرواد 2013ـ و "يشبهني هذا الموت" عن دار الينابيع 2015.
لمولوده الجديد "أنعم بالعمى" أقامت جمعية العاديات في طرطوس حفل توقيع حضره ثلة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشعر.
يقول الشاعر أحمد نصرة: أنعم بالعمى في مواجهة هذا القبح المستشري... أمام شلالات الدم المسفوك أمام هذا الموت الذي يسم حياتنا إن كان جسدياً أم روحياً... نعم.... لأرواحنا التي أودعناها يوماً عند أحلامنا التائهة في ركام هذا العبث الكوني والقتل الكوني أنعم بالعمى... ليس هروباً، ولا خياراً في مواجهة الواقع بقدر ما هو خلاصٌ روحي بعيدٌ عن كونه فردياً، هذا الحزن الذي يسيطر على الشاعر قد انعكس على نصوصه، إذ يرى أنه من غير الممكن أن نكون إلا حزانى؟ ويعتقد أن أكثر اللحظات (فرحاً) إن جاز له أو استطاع الفرح... تحمل الحزنَ... ويرى أن الحزن هو محرك كل أفعالنا أو ردود أفعالنا وهو رافعة توازننا على المستوى الفرداني الخالص لكنه أيضا... مترف في الألق... لأن منتهاه... الإنسان الحر النبيل لا تقعده الأحزان .
في ديوانه "أنعم بالعمى" ابتعد الشاعر عن عنونة نصوصه لأنه يرى بأن العنونة تأسر القارئ وتؤطره قسراً في سياق ما قد يعتقده في النص، فالنص مفتوح وجدانياً وجمالياً أو فكرياً لكل احتمالات الأسئلة الوجودية... هذه الأسئلة التي لا تحتمل أجوبة منجزة ولا تقريراً منتهياً... هي الحياة تساؤل مستدام لن يتوقف.. على الأقل وبشكل قد يبدو ميكانيكياً إلى حين.. الإجابة على السؤال الأساسي في الفلسفة: كيف ولماذا؟.
جمل تقارب الإدهاش
في الحفل قدم بعض أصدقاء الشاعر مداخلات تحدثوا فيها عن القيم الجمالية في شعره فكانت البداية مع الكاتب علم عبد اللطيف، حيث أكد أن الشاعر نصرة يعرف أدوات الحداثة ويستخدمها في جملته الشعرية، يكثف ويختزل، يركب ويفارق، فلا يأسره السياق، يبتدع سياقات متجددة بتجدد لحظته التي يدرك عبث اللحاق بها.. فيبدل موقعه دائماً، فلا تأتي الجملة او اللفظة بوليد شرعي لها يكون امتداداً للسابق، وهي الحداثة التي لا تعترف بمرجعية الامس.. ولا حتى اليوم، المرجعية هي حالة متجددة، كل لحظة لها مرجعيتُها المختلفة، لافتاً إلى أن الجملة الشعريةلدى الشاعر هي جملة تقارب الإدهاش في عموم مقطوعاته، ويبدو ديوانه (أنعم بالعمى)..يقتصر تقريباً على المقاطع القصيرة.. السريعة.. المقتصدة في كل شيء، انما المركبة والمدروسة، ولا يقارب النص الطويل-يضيف عبد اللطيف- الذي يمكن فيه ان نرى الشاعر اكثر واوضح، وان نتلمس حالة القصيدة المنسرحة في تداعيات الشعر، وربما آثر البقاء قيد الاخلاص لحداثته التي لا تحتمل اللجوء لمرجعيات شعرية، فابتعد عن سطوة النص الممتد وتداعياته التي يعرفها من جرب كتابة القصيدة الطويلة..
سادية مثلثة
أما الشاعر أحمد م أحمد فأشار إلى أن لدى الشاعر سادية مثلثة: تجاه القارئ الذي يشنف توقه لاستكمال اللوحة الجمالية القادمة،وتجاه نفسه، إذ يكابر ويخنق حاجته للتفريغ. وتجاه النص ذاته الذي لضيقِ عبارته واتساع رؤاه يعيش، ونعيش معه، عذابَ القبور.
وبين أحمد أن ذاكرة الشاعر نصرة مثقلة،ترك في الوراء رؤيا كثيفة كثافةَ الموت والدرن الذهني العالق فينا.. لكن هذه الرؤيا تتشبث به، لا تريد أن تفلته وتتركه يُطلق الصيحة المكتملة، أو فلنقل، "النبحة" المكتملة.ويرى القصدية في التشكيل الكلّي وفي شحن المفردة والجملة الشعرية بالشحنة الدلالية المتوهجة التي تنصهر والمعنى، وتترك أحياناً لدى القارئ الحساس مخلفاتٍ هلامية سرعان ما تتيبس وتتخذ شكل الدم على الصليب، أو شكل المخرز حين خروجه من العين، لافتاً إلى أن ثمة وعي وحساسية، يصبغان لغة نصرة وخطابه الشعري، وهما المسؤولان عن التقشف في اللغة، لدرجة أننا نكاد لا نجد مفردة واحدة يمكن استبعادها عن النص دون أن يتداعى وراءها كأحجار الدومينو.
وعن اللغة قال أحمد، الشاعر نصرة لا يعتني بالموسيقا الخارجية وبقفلة النص، فلا بأس لديه أن ينهي شطرةً من الكتاب بمفردة (مُتُّ). كما لا يُثقل هذه اللغة بأي نوع من الصنعة والبراعة البلاغية، بل تولد الومضة/ القصيدة، بكامل ثيابها البسيطة التي لا تخفي مفاتنها أو عيوبها.
عوالم الدهشة
من جهته بيّن القاص محمد سعيد حسين أنه لا يمكن لقارئ مهتمّ أن يتناول بالدّراسة، المنجز الإبداعي للشّاعر أحمد نصرة دون التّوقّف عند عناوين إصداراته الشّعريّة الثلاث: "توضّأتُ بنبيذ"، "يشبهني هذا الموت"و"أنعمُ بالعمى"الديوان المحتفى به اليوم، حيث يُلاحظ في هذه العناوين تصدّر الفعل لها، الماضي في الأولى، والمضارع في الثّانية والثّالثة، وخلوّ جميع نصوصها من العناوين الفرعيّة، وكأنّي به يرى أنّ استخدام الفعلين الماضي والمضارع كعناوين عريضة، يمكن أن يغني عن العناوين الفرعيّة للنّصوص، خاصّةً أنّها نصوص قصيرةٌ تكادُ تُختَصرُ في بعضها إلى ما يشبه العنوان الرفعيّ للنّصّ التالي، وليست هذه مثلبةٌ برأيه.
ويتساءل حسين لماذا لم يختَر نصرة العماء بدلاً من العمى؟! فيجيب: بتقديري إنّ الشاعر يدرك تماماً أنّ العماء يساوي العدم.. الموت في أشدّ أشكاله قسوةً.. ربّما هو الموت الّذي يعترينا كلّ ساعةٍ.. بل كلّ لحظةٍ منذ ستّ سنواتٍ حتّى الآن.. هو العماء الّذي حرص على ألاّ يستخدمه في العنوان مفضّلاً العمى.. الّذي يعني العمى المتعمّد عن تركيز النّظر إلى الجانب الأسودـ مطلق السّوادـ من الحياة.. العمى عن كلّ أشكال القبح المستشري في كلّ مفاصلها، واللجوء إلى أكثر أفعال الحياة رقّةً وشفافيّةً ونبلاً، الشّعر.. الفنّ، ما يؤدّي بالقارئ، وبفهم كهذا، للدّخولـ بحذرٍ ربّماـ إلى ما بعد العنوان، مدفوعاً بفضول استكشاف حصافته القرائيّة، ليتورّط بالإهداء:
مرجُ أحزانٍ هذا القلب.. مواسمُ..
إلى نوال ـ والدتي ـ رفيقة ما تبقّى من العمر الحزين
وليلاحظ ـ أول ما يلاحظ ـ تضايف مفرداتٍ ذات دلالات متباينة في سياقٍ شعريّ لا يتقنه سوى متمرّسٍ في فنّ الاستثارة، وهنا تبدأ الورطة الجميلة والمتعبة في آن، فنرى الشّاعر يرتدي فستان الّليل باحثاً عن أناه، وبالعودة إلى العمى، ومقارنته بالّليل، يمكن أن نخمّن إلى أين يريد نصرة أن يسحب القارئ بعد أن أمسك بتلابيبه. 

رقم العدد :