آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

علاء شرابي يعرض في صالة تجليات ببيروت الجراحة باللون وعلى سطح ملتهب

اثنين, 08/06/2015

اللوحة هي التماس المباشر مع انكسارات الروح في بعدها الذاتي والاجتماعي وحتى الكوني، وهي هذا التوهج كانعكاس لكل ألق وفرح تختبره، هي هكذا حسب هيدجر ونيتشه والكثير من الفلاسفة والمنظرين في الفن، وإذا كانت اللوحة هي الحقيقة بصيغة الوهم الحقيقي كفن بصري مدرك حسياً، إلا أن الرؤية هي المدخل للتواصل مع مسارات وحساسيات الروح المخدوشة عميقاً، ولاسيما أنها روح الفنان متجسدة على سطح اللوحة، لكن السطح لدى الفنان علاء شرابي هو سطح قاس كنحاس أو خشب أو حجر أو حتى ورق مضغوط، وبالتالي ففعل الخدش عليه هو تكرار وانغماس مؤلم أو مفرح للمرة الثانية بعد تعرض الروح لتلك الخدوش الرقيقة أو العنيفة من التأثيرات التي عصفت بها قبل الفعل الفني وأثناءه، فعل الحفر هو أكثر من القيام برسم خط على اللوحة، إنه تأكيد الانفعال المختزن والكثيف حفراً كمن يجعل ذاته على حافة أداة الحفر والقشط الحادتين، أشبه بفعل الجراحة على سطح ملتهب.
إن التماس مع السطح الصلب بتلك الحساسية التي يملكها الفنان، لابد سنكون إزاء توهج واشتعال من نوع وجداني يأخذ في طياته شكل الحالة وتحولها لاحقاً إلى منتج يحمل كل خصوصية الانفعال.

تكنيكات الحفر وتقنياته هي جزء أساس من الخبرات الفنية المتمايزة التي على الفنان امتلاكها ليستطيع أن يصل بالتعبير إلى هذا الشكل من التبسيط والتركيب، الفرادة والإغواء وإثارة السؤال، وليس سهلاً أن تضبط هذه العملية وتصل إلى هذه النتائج التي بلغها علاء لو أنه لا يملك هذه الروح المتمردة والمبدعة والقادرة على التجدد من لوحة إلى أخرى على مستوى التجريب والاختبار وعلى مستوى الشكل والمفردات البصرية في بعدها الواقعي والتعبيري والتجريدي، فهو لا يمتلك فضاءات من التقنيات على خامات مختلفة وحسب، بل والقدرة على الربط بينها والإضافة عليها بما يخدم الحالة الحلمية أو المقولة الفكرية والنفسية والاجتماعية التي يريد أن تصل إلى الآخر، فاللوحة لديه قيمة ومساحات من التفجر التي يسيطر عليها وتسيطر عليه، فبين الفعل وردة الفعل يكمن هذا الصراع والتجاذب والحوار الداخلي حد التشظي والانكسار وانبثاق الضوء، لإعادة التوازن بعد كل هذا التسارع الغريب في مسارات الفعل الفني.
اللوحة لدى الفنان شرابي هي ليست فعل تنظيم وعلاقات وتكوينات وهندسات محكمة، هي فعل غائر في الوعي الذاتي المتحرر من النظم التقليدية لهندسة اللوحة ومرجعياتها الأكاديمية، لا بل هي لوحة متحررة حتى من علاء، إنهما يتلاقيان في فعل حب حر ومتدفق منتصف الطريق، الذي يكون اللوحة.
لا يمكن أن نشهد في لوحة علاء الغنية جداً بالتفاصيل أي تكرار للشكل أو الحالة، وهذا إنجاز مهم على مستوى التدفق الإبداعي، ويشير بكل قوة إلى فنية التجربة، وبلوغها حالة من الوعي يتيح لها أن تتحرك في أكثر المساحات إشكالية، كمفهوم الوطن، الحرية، الوجود، الحب، الإنسان المتوحش، الارتقاء، وهذا ما دعاه في فترات سابقة للخوض واقعياً في عوالم الإنسان التعبيرية الجوانية، والعلاقة بين الزمن والوجه، لكنه جنح لاحقاً ليرسم الدمى الميتة، بما تعنيه من إشارات، كما رسم الحشرات والكائنات المتوحشة إلى جانب الإنسان في هذا الفضاء العاصف المتناثر المتوتر الذي نسميه اللوحة.
من أكثر الإشكالات الإبداعية التي يمكن أن نراها في لوحة الفنان علاء شرابي الشكل الذي يربط علاء بالأرض، الشكل الإنساني أو الحيواني، فالشكل لديه أرضي، والشكل الآخر المجرد هو الذي يأخذه بعيداً في الفضاء، فلوحته إذاً هي مساحة ما بين التعبير والتجريد في التصنيف المدرسي لو أردنا التحديد، وما بين الأرض والسماء كحالة نفسانية وروحية.
ما بين الأرض وذاك الحيز من الفضاء، يتحرر علاء من جاذبية الأشياء، لتكون لوحته بزمنها ومكانها الخاصين، كفعل خدش على سطح الروح ولّد هذه الرعشات البصرية.
كيف يمكننا أن نرى لوحة علاء شرابي بتلك المساحات المتشابكة والمتقاطعة الغائرة والنافرة بالكثير من الانفعالات والتفاصيل الشكلية واللاشكلية، وهو لا يتقصد جعل اللوحة مرئية، ليس لأنه راغب في التواري خلف ظلاله وأشكاله وألوانه وخطوطه وتقنياته، بل لأن الواقع النفسي والفكري المحيط به والذي يتفاعل معه باتصال مكثف وضاغط للغاية يجعل الأمر غير واضح كفاية وضبابياً بصورة يصعب معها الرؤية، وبصياغات متعددة بين الفني والنفسي تكون اللوحة حالة من الاختناق والرغبة بولوج حالة الرؤية والضوء، إنها انعكاس وتصعيد وتفريغ لكل هذا الضغط المدمر الذي يعيشه، لكن لا يمكن إلا أن نرى في لوحة علاء العديد من المفاتيح التي تخبرنا بمقاصد لوحته، فيمكن أن نرى أشكالاً بشرية تتمزق بفعل العصف الانفعالي، ونرى أشكالاً مختزلة بلغة تشكيلية بالغة الحرفية والتعبيرية وتقوم بالعديد من الأدوار، إلا أنها تجمع بين الإنساني والحيواني في أجزاء، وتتوارى خلف الأشكال والخطوط والمساحات اللونية وكأنها تريد القول إنها غير حاضرة كفاية في مشهد اللوحة أو الحياة بتعبير أقرب، ذلك لأن لوحة علاء هي مرآة لهذه الحياة التي نعيشها، سنجد وجوه مقلوبة ومدورة وملتفة بسيل من الخطوط وقطط على عتبات الحارات، وجوه لا ترى لكنها تحتضن الآخر، تحاول العزف ونثر الموسيقى بعد كل تشظٍّ وانفجار، سنرى أشكالاً إنسانية مع كلاب وطيور وحالات فردية تنزوي في اللوحة في جنباتها وكأن اللوحة هذا المقهى الذي يضم كل المرهقين والمتعبين والباحثين عن ملاذ، نراهم يدخنون، ولا تتصاعد إلا الخطوط الغرافيكية كما دروب الإسفلت لتلتف وتلتف كالأفاعي ما يسبب حالات من الدوار، سنجد في لوحة أن الحالة الإنسانية عبارة عن كتلة مرمية في فضاء لوني لا نعرف مثيلاً له ويشبه بدرجته اللونية الترابية الرمادية المصفرة حالة من الانطفاء الروحي الخانق، ومع تشظي هذه الكتلة إلى أجزاء وعلى أجزاء أخرى من أكوام بشرية سنرى أن الأيدي تطير لتلتقط دائرة تشبه الشمس..! إن الرغبة العميقة بالنفاذ إلى الضوء والخروج من برودة الرمادي الترابي كنتيجة لوجع الأرض ودخان الوجع الرمادي.
سنعود إلى الوحوش في لوحة علاء، وسنراه بأسراب قطيعية تترصد هذا الكائن الإنساني، وباللحظة التي تترصده سنرى أحدها يلتقط الشمس ليخفي الضوء، إذاً ثمة علاقة بين الوحوش والإنسان والضوء، والضوء هنا ليس مجرد الحياة وحسب، إنه المعرفة والحب وعندما يختفي تتحول المساحات إلى ظلام، وما يحاوله في العديد من الأعمال أن يبقي على هذا الضوء.
في أحد أعماله الرئيسية، سنجد لوحة منفذة بالأحمر الدموي الفاقع على خلفية رمادية بطريقة الحفر -وبالمناسبة كل أعمال علاء هي منفذة بأساليب وطرائق الحفر المختلفة-، في هذا العمل سنشاهد كائناً إنسانياً كبير الحجم يدفع كائناً آخر يجمع ما بين الإنساني والوحشي ليلتهم الشمس، بينما نرى في أسفل اللوحة العديد من الوحوش التي تنتظر بنهم التقاط ما سيتبقى من الشمس، إذاً العلاقات بين الأشياء في عرض علاء الأخير قوامها الضوء، الحرب التي نعيشها هي للإبقاء على الشمس، إنها استعارة علاء ليقول كل وجعه وليسعى من الشمس إلى إعادة التوازن إلى أرض اللوحة وفضائها.
ما نلاحظه في تجربة علاء أنها تجربة تميل إلى الطفلية في لغة التعبير، وكنت أحاول معرفة لماذا هذا الجنوح إلى الحالة الطفلية في لوحة علاء، فكانت المسألة تتعلق برهافة علاء الروحية ونزقه الداخلي وصخبه الانفعالي ورغبته في الخروج من الضوابط الأكاديمية، وهذا تم ببساطة ودون مقدمات، وقد جاء متوافقاً مع الحالة التعبيرية التي حولتنا أو أحالتنا إلى حالة نكوصية طفلية وقريبة للغاية من الموت، هذا بالنسبة للجميع، فكيف بالنسبة لفنان بالغ الحساسية، إلا أن الطفلية أو التعبيرية بلغة الأطفال أو هكذا يبدو بمقاربة ما، ليست بهذه الصورة وإن كانت تأخذنا إلى هذه الحساسيات، إنها صدمة أن نتوقع أن هذه اللوحة جاء كحالة لعب تفريغي كما يقوم الأطفال في العادة أثناء الرسم، الصدمة تتجلى بالمحتوى التركيبي والتحليلي لمفردات اللوحة الممزقة بين الوحوش الإنسانية، والإنسانية، ودروب الخلاص التي يقترحها علاء للخلاص من هذا الوجع العاصف إن كان عبر الإمساك بالضوء أو عبر إيجاد سلالم في اللوحة للنفاذ من هذا العالم الأرضي القاتل، إنه يعود طفلاً في لوحته ليحرض فينا روح الطفولة لنرى العالم من هذه الزاوية دون عدائية، ولنطلع بذات الوقت على الحالة العدائية التي يعيشها البشر لنرفضها، إنه يقدم الصورة طازجة الدم والموت ومن داخل الروح مباشرة وهي لا تتوقف عن الحركة وإثارة السؤال والرفض.
إنها لوحة تنحاز برمتها للإنسان والأرض وحالات الحب، إنها حالة بصرية نفسية متصلة بالخارج والداخل بدرجة عالية من الحساسية أو لنقل إن لوحة مساحة للرؤية، وأكثر من ذلك إنها مرآة الواقع المكسورة.


Ammar7h@yahoo.com 

رقم العدد :