آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

اللوحة كمرآة..!

اثنين, 21/12/2015

نتحدث كثيراً عن الفن كعاكس لأحلام ومخاوف وهواجس ورؤى الفنان أو الرسام، ككل الفنون التعبيرية، هو بمثابة التعبير عن الوعي والرغبات والتطلعات والتي يظهر الكثير منها لا مرئي في اللوحة، يظهر متوارياً تحت وخلف اللون والخط، في الضربة السريعة والقلقة والغائرة أو النافرة، يظهر في علاقات اللون والشكل والتكوين والتوزيع، يظهر في الكثير من التفاصيل، ليس فيها بالضبط بل من خلال هذه العلاقة السيميائية النفسية.
كثيراً ما نتحدث عن رسالة في اللوحة، والحقيقة التي أراها أكثر دقة أنه هو الرسالة، وعيه غير المدرك قد يكون هو الرسالة لأنه في لحظات الحدس الفنية كثيراً ما تظهر رسائل أخرى حتى الفنان نفسه لا ينتبه إليها، إنه يُظهر في هذه اللحظات مرآته التي تلتقط كونه هو ورؤاه غير المدركة، لذا فنحن أمام رسالة قصدية ورسالة غير قصدية، وكثيراً ما صادفني في حواراتي مع الفنانين هذا الأمر، بأن يقول لي الفنان لم أنتبه لهذا، أو لا أعرف كيف رسمت هذا، إذاً نحن أمام معرفة مباشرة ومعرفة غير مباشرة، أي ذات الفنان العميقة قد طفت على السطح التصويري.
ما سبق هو بمثابة إشارات إلى العملية الفنية غير الواعية التي تحدث بانتباه ما على السطح، إلا أن اليد والعين اللتين تتحركان على هذا السطح ليستا منفصلتين عن الروح التي تضبط العملية برمتها، هذا إذا كنا أمام فنان حقيقي! والفنان الحقيقي هو متصل عبر أدائه الفني وحتى عبر سلوكه مع وعي أكثر مما نمتلكه نحن، هذا جسّده غويا في الحرية التي تقود الشعب، وتفاصيل العمل وطاقة تتناسب مع هذا الزمن، طلب طروادة لفاتح المدرس هي بمثابة استباق زمني للحدث الآني، أعمال يعقوب إبراهيم سورية العشاء الأخير تصوير استباقي للحدث، أعمال يوسف عقيل وسبق أن كتبت عن الحدث التنبؤي في لوحته، الزمان والمكان في لوحة ياسر حمود استباق وكشف بصيري لطاقة النزوع إلى المطلق، وهكذا أعمال احمد معلا ورؤى طلال معلا المرسومة، طبعاً وهناك الكثير من الفنانين الذين يستبقون الحدث ويتنبؤون بالقادم في أعمالهم، كل هذا يصب في قدرات غير مرئية وغير مدركة بالنسبة لنا، إلا أنها تعكس عوالمهم وهواجسهم، كل هذا قد يكون لا مرئي من درجة عليا، لكن ثمة لا مرئي آخر قد لا ننتبه إليه وهو الدرجات الدنيا من المرئي وهو أكثر خطورة وعصفاً وتأثيراً مما سبق، هو ما نراه في مجمل الصورة الفنية السورية وعدم القدرة على التمييز بين الغث والسمين، عدم القدرة على التمييز بين لوحة تصل إلى هدفها في المباشر وعكس هدفها في غير المباشر وهذا يحدث كثيراً، بين فن يقودنا تدريجياً إلى الخواء وبين فن يرينا صوراً من الثراء الروحي والجمالي وغير ذلك.
اللامرئي الأخطر الذي علينا رؤيته هو هذه الحالة من الاستلاب وعدم القدرة على الرؤية وعدم القدرة على الخيال التي تغزو المشهد الفني السوري أمام لعبة السوق وبؤس الإبداع، اللامرئي الأخطر أن يكون هو هذه المرآة! لست من يقول هذا بل اللوحة. 

رقم العدد :