آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

صحافة "الدوغما" و "الهبيش"!.

ثلاثاء, 14/02/2017

للوهلة الأولى، يبدو مصطلح "الثقافة" إشكالياً، نظراً للتداخل الذي حدث بينه وبين مصطلح "التسالي" وكل عناوين المواضيع الخفيفة التي تُقدَّم مثل وجبات "الهوت دوغ" على بسطات الجرائد الصفراءالطامحة لسد الفراغ الذي أحدثه غياب الصحف الثقافية!. ذلك اللبس، كان مقصوداً في الحقيقة وقد قامت به عدة أطراف لم يكن في مصلحتها أن تشعر الصحافة الثقافية بالحيوية لأن الأمر يشكل خطراً على الجميع!.
أيضاً، فإن الثقافة التي"لا تُطعم خبزاً" كما يقول الأبُ لابنه المسكون بلوثة الشعر، ستتحول إلى ما يشبه اللعنة وهي تلاحق الكتّاب بالفاقة وقلة الحيلة والبحث عن مورد رزق!.
اليوم يمكننا أن نتحدث عن "الثقافة التهمة" على المستوى العربي بأكمله، فالتاجر المشغول بتخزين السكر والأرز وقناني الزيت من أجل أن يقبض لاحقاً، فارقَ السعر بالعملة الصعبة، لن يغامر بتأسيس صحيفة ثقافية خاسرة سلفاً، كذلك الأمر بالنسبة للسياسي الذي يعتقد أن تأسيس صحيفة تمتهن التطبيل والتزمير خيرٌ من ألف قصيدة نثرٍ أو نصٍّ فكري أو روائيٍّ يمكن أن يشقّ عصا الطاعة على السطوة المدللة التي قام بتربيتها "كل شبر بندر"!.
البحث عن صحافة ثقافية، يشبه البحث عن مشروع غائب عن المشهد، وكي لا يبدو الكلام مناصراً لحقبة خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فإن أضعف توصيف لتلك المرحلة "الماضوية"، يُظهر ملامح عدة مشاريع اتصلت جميعها بمفهوم الحداثة وتجديد الفكر والمجتمع، في حين لا يوجد إسفين واحد يدق في الذهنية ويعمل على إبقائها مستيقظة أو مهجوسة بقضايا تقضّ مضجعها وتجعل ليلها نهاراً!. في هذا المشهد لن نعثر على الصحافة الثقافية سوى في المؤسسات العامة التابعة للحكومات وهي غارقة عملياً بالهشاشة أو الفساد وعدم الاحتراف، أما في القطاع الخاص فلن نجد في المشهد الثقافي السوري، صحيفة ثقافية مختصة واحدة، سوى مجلة "الثقافة" التي توقفت برحيل مؤسسها مدحت عكاشة منذ عدة سنوات. فحتى وقت طويل كانت تظهر "الثقافة" مثل دونكيشوت متخلف يحمل السيف والترس وهو ينزل متثاقلاً من الصالحية باتجاه جسر فكتوريا، صحيح أن المجلة لم تكن على المستوى المرموق من حيث الأسئلة الراهنة، لكنها بشكل ما كانت تعبر عن الماضي بعجره وبجره وربما لهذا تمكنت من الاستمرار لمدة طويلة من الزمن امتدت منذ زمن الوحدة بين سورية ومصر حتى رحيل صاحبها الذي نال الترخيص من جمال عبد الناصر وشكري القوتلي سنة 1958.
ما يؤكد أن الثقافة "تهمة" أو شبهة، هو أننا وبعد صدور قانون الإعلام السوري بنسخته المحدثة سنة 2011، لم نشهد تأسيس صحيفة ثقافية واحدة تروي عطش المهتمين، في حين كانت صحف الإعلانات والفضائح تملأ الشوارع، ولم يكن غريباً أن نسمع من أصحاب رؤوس المال عبارات تشير للثقافة بإصبع الاتهام لأن المغرمين بالفضاء الثقافي "لا أحد يفهم ماذا يريدون بالضبط، أو لأن هذا الحقل مليء بالأشواك والأعشاب الضارة التي لا تروق للسياسيين على نحو خاص"!.
مشهدان تنازعا النخب في المراحل المختلفة من تاريخ الصحافة الثقافية، الأول عبرت عنه المطبوعات التي أصدرتها المؤسسات العامة التابعة للحكومات وقد اشتهرت بترويج نوع معين من الثقافة الماضوية على نحو خاص، أما الثاني فكانت صحافة أصحاب رؤوس الأموال الذين شعروا بالنقص المعرفي فطمحوا لامتلاكه عبر تأسيس الصحف الثقافية المنوعة كي يرتفع رصيدهم المادي والنفسي معاً، لكن الواقع كان يشير إلى أن الثقافة بمعناها الحقيقي لم تكن سوى "تهمة" اتفق الجميع على محاربتها إذا ما تجلت بشخصيتها الحقيقية للأسف!. يمكننا الحديث عن مجلات أسبوعية منوعة لا تختص بالثقافة وبالتالي فإن قربها إلى شخصية "التسالي" أكبر بكثير من القول إنها صحافة ثقافية يعوّل عليها في صياغة المشاريع أو محاولة الإجابة عن الأسئلة مثار الجدل!.
للأسف، نحن اليوم في عصر تعفيش ثقافي، حتى بالنسبة للمجلات الفارهة التي تبدو خارجة للتوّ من مطابخ أحدث المطابع، لا نعثر سوى على أسماء "النجوم" المكرسين بعامل الزمن، حيث تهرع تلك المنابر لاستكتابهم بمبالغ خيالية مثلما يحدث في محطات الأغنيات الهابطة التي تحاول اكتساح السوق عبر استقدام المطرب النجم.. أسماء ربما كانت صاحبة انتاج لافتٍ في مرحلة ما، لكنها اليوم أشبه بالخواء الذي لا ينتج سوى الأفكار العجائز التي لا يمكن أن تكون راهنيةً بطبيعة الحال!.
صعوبة تكرار تجارب هامة مثل مجلة "شعر" و"الآداب" اللبنانيتين، يؤكد أننا أوغلنا في عصر الاستهلاك وثقافة "الدوغما" حسب مصطلحات السوق عندما تسمى البضاعة بالهجينة أو مجهولة المصدر. وحسب تصنيفات السوق الزراعي يمكن تسمية ثقافة اليوم بـ"الهبيش" الذي يعني العشب اليابس النافع منه والضار!. كل هذا يؤكد غياب المشروع المتكامل لصالح حضور مشاريع النخاسة وإزاحة الأسئلة من أجل تطبيق نوع من بريستيج "التسالي" وبرامج المنوعات الخفيفة التي تشكل قاسماً مشتركاً بين السياسي والتاجر ورجل الغيبيات المتحالف معهما ضد الثقافة بطبيعة الحال!.
ربما لو قلبنا المعادلة قليلاً، فقلنا أين المشروع الثقافي الذين يمكن أن ينتج صحافة ثقافية ترفع الرأس؟، لهرع كل المتضررين حاملين سيوفهم كي يقطعوا رأس الأفعى قبل أن تولد وتكبر وتصبح مثل "الحنش".. ذلك المشروع: ليس من مصلحة أحد!. 

رقم العدد :