آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

المشكلة مع النهايات!

ثلاثاء, 09/05/2017

لا يبتهج الإنسان لخاتمة في حياته سوى "خاتمة الأحزان"!. منذ اللحظة التي حسم جلجامش قراره بالسفر إلى غابات الأرز من أجل عشبة الخلود، حاول البشر أن يعملوا على الديمومة والاستمرار كأنهم لا يفنون مع الزمن، لتتحول الخواتيم إلى كابوس يقضّ مضجعهم في كل عصورهم: خاتمة الحب، خاتمة الجمال، خاتمة الشباب.. كلها نهايات أرقت البشرية عند حصولها، وكم تمنى الناس أن يمحوا من قاموسهم تلك الخواتيم نهائياً كي ينعموا بالنقائض التي كانت تعني دائماً الحياة الرغيدة والجانب المشرق من العمر!.
كل الخواتيم تسبب هلعاً لأصحابها، إلا "خاتمة الأحزان" التي نتمناها لأحبة الراحلين وأهلهم، ولو أن الراحل كان قادراً على النهوض من مضجعه الأبدي لقام شخصياً كي يقول "آمين"!. وهنا يمكن الحديث عن فلسفة تتعلق بالنهايات بالنسبة لإنسان منطقتنا في ثقافاته الدخيلة، فهو لم يكن مشغولاً يوماً في النهايات، بل اشتغل دائماً على الراهن والحاضر وليس اعتماداً على الماورائيات، وهذا شيء واضح من الأساطير التي كتبها السوريون قديماً وأيضاً من لباسهم وطقوسهم ومفهومهم للحياة.. فالهلع من النهايات صفة دخيلة وفدت مع ثقافات أخرى، رغم ما يظهر من أنها ضاربة الجذور!.
في الغرب، يرحب البشر بالنهايات أو باقترابها، حتى الكتاب يستطيعون اعتزال الكتابة إذا ما أحسّوا بقرب فراغ المخيلة وجفاف النبع، وإذا ما نظرنا إلى ما يحدث على صعيد العمر الشخصي للفرد لدينا، نكتشف أن الخوف من نهاية العمر تدفع الجميع إلى القول إنهم أبناء العشرينيات أو الثلاثينيات، فالرهبة من خاتمة المطاف في الحياة تبدو هي الرعب الأكبر بالنسبة للبشر، في المقابل فإن احتفاء الفرد في الغرب ببلوغه الخمسين أو الستين، يبدو طبيعياً جداً بالنسبة لشعوب تعيش لحظتها الراهنة وهي بالتالي غير منتظرة تعويضات في الآخرة.. في كل هذا تبدو فلسفة النهايات جدية بالبحث فعلاً، فهي التي دفعت المصريين في مرحلة ما إلى بناء الأهرامات كي يستعدوا للخلود القادم والانبعاث، عكس ما كان عليه الأمر عند السوريين الذين أطلقوا شعورهم ولم يبنوا الأبراج العالية للملوك حين يموتون ولم يهتموا بالتالي في التحنيط، كل هذه المسائل لها علاقة وطيدة مع مفهوم النهاية.. نهاية العمر.. نهاية التجربة.. نهاية الحضارة.. نهاية الجمال..!.
ما يؤرقنا اليوم هو النهاية الأشد فتكاً.. نهاية الأحزان أو خاتمتها: عظم اللـه أجركم!. 

رقم العدد :