آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

ليست مجرّد بيوت!!

اثنين, 30/05/2011

بين فترة وأخرى تتعالى الأصوات من هنا وهناك، من البعيدين والقريبين وحتى من أقرب المقربين، لإنقاذ بيت هذا الأديب أو ذاك، في سورية وخارجها، وبالطبع هذه الأصوات تتعالى بعد أن يمارس القدر هوايته المفضلة وينقل الأديب، إلى العالم الآخر!.
لا تكاد تمضي فترة قصيرة من الزمن حتى تعلو صرخة في هذا البلد، ونداء في بلد آخر، أن أنقذوا بيت هذا الشاعر أو ذاك من الخراب أو من أيدي العابثين، أو من أيدي الورثة الراغبين ببيعه لأحد تجار وسماسرة البناء، الذي يعتزم «بكل نية طيبة!» هدمه وبناء «مول» أو مركز تسوق ينفع البشر ويفيدهم بدل «هذه الخربة!» حسب ما يرى بعض ضِباع وحيتان تجارة البناء وسماسرتها!.
تحولت تلك الأصوات وبمرور السنوات إلى ما يشبه الموضة والتقليد والطقس الذي، وعلى الرغم من أن الصدأ بدأ يأكله، يطل برأسه بين الحين والآخر!.. هي أصوات تستحق كل الاحترام والتقدير، لكن الخوف أن تتحول إلى مجرد صراخ في صحراء قفرٍ أو وادٍ موحش لا يرتد منه إلا الصدى!.
بالأمس القريب تناقلت وسائل الإعلام خبراً عن دعوات من بعض الأدباء والمثقفين العراقيين والعرب لإنقاذ منزل الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري في بغداد المعروض حالياً للبيع حسب ما قالت ابنته التي اشتكت ضيق الحال، ما دفع بالعائلة إلى عرضه للبيع.. وهذا يعني بكل بساطة أن يسيل لعاب تجار البناء تجاه هذا الصيد الثمين الذي يشكّل بالنسبة إليهم صفقة رابحة لا تعوّض، ولتذهب الثقافة والأدب والشعر ورمزية المكان وأهميته كذاكرة فردية وجمعية إلى جهنم وبئس المصير!.
سبق هذه الدعوات أصوات مشابهة لإنقاذ بيت الروائي والمترجم والناقد الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا الذي تعرّض إلى التفجير في بغداد وتحول فعلاً إلى أنقاض وفي أحسن الأحوال إلى خربة!.. وقبل هذه وتلك كانت الصرخة المدوية لإنقاذ بيت رائد التجديد في الشعر العربي بدر شاكر السياب في قريته العراقية الجنوبية جيكور التي خصّها السياب بأجمل وأروع قصائده.. الذين يعرفون بيت السياب يقولون إن البيت المُهمَل تحول إلى ما يشبه الزريبة التي لم تعد تحتوي إلا على النفايات والأوساخ ومخلّفات الأغنام بكل أسف!.
هنا في دمشق، ومنذ سنوات كانت هناك دعوات مشابهة تناولت بيت رائد المسرح العربي أبو خليل القباني، ومعه بيت الشاعر نزار قباني.. أوقد المريدون الشموع وحجّوا إلى البيتين أكثر من مرة.. ويبدو أن المشهد نفسه يتكرر في أكثر من بلد عربي، فالحناجر التي تصرخ تشبه بعضها بعضاً، والآذان التي تتلقى هذه الصيحات والمسؤولة عن حماية هذه البيوت تشبه بعضها بعضاً أيضاً!.. والسؤال هو: ترى ما الذي كان سيفعله هؤلاء الأدباء فيما لو أنهم كانوا يعرفون مسبقاً هذا المصير المأساوي للمكان الذي أبصروا فيه النور، واحتل مساحة كبيرة من ذاكرتهم؟!.. ما الذي سيقوله هؤلاء لو أنهم كانوا يعرفون أن بيوتهم ستتحول إلى مجرد أطلال وجدران وأبواب مخلخلة وسقوف قيد التداعي والسقوط؟!.
هناك الكثير من المطالبات بتحويل بيوت هؤلاء إلى متاحف ومزارات لعشاق الشعر والفن، بعضها تحقق وبعضها الآخر قيد الدراسة، وهذا حسن.. لكن الأحسن ألا يكون هناك مطالبات ودعوات للإنقاذ من الأساس، إذاً ليس من الضروري كل هذا الرعب والحزن الذي يلحق بهؤلاء العشاق كي يتحقق ما هو طبيعي «وبلا منيّة من حدا».. أما الطبيعي الذي يُفترض ألا يحتاج إلى مناشدات فهو أن تقوم الجهات المعنية «سياحة ومحافظة وثقافة وغيرها» بالقيام بواجبها وحماية هذه البيوت، لأنها وثيقة وذاكرة مكان تستحق كل العناية والرعاية.
رواد الأدب والفن الذين اختاروا عن وعي وإدراك أن يجتازوا حقولاً محفوفة بالمخاطر والألغام، يحتاجون إلى بعض العرفان بالجميل.. يحتاجون إلى المحافظة على مقتنياتهم من أصغرها إلى أكبرها.. لكنهم بكل تأكيد لا يحتاجون إلى أن يموتوا مرتين!!.


geohaj@aloola.sy 

رقم العدد :