آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي
العدد كـPDF
تصنيف حسب العدد

لا، لا، لن أعود..!

اثنين, 30/05/2011

صديقي العزيز...كلما اشتد النقاش بيننا واختلفنا، قليلاً أو كثيراً، تتبرم بشيء من الزعل وتتجه حالاً صوب البيت، فيما أتابع أنا تسكعي وضياعي في شوارع المدينة. لا شيء أحب إلى قلبي من الشوارع، ومن الضياع فيها. يا أخي أنا ابن شوارع، ولن أكون غير ذلك في يوم من الأيام. تصور هذا التصريح وهذه الفضيحة. هل هذا ما يزعجك، قليلاً أو كثيراً؟ ولا، لا، لن أعود إلى البيت. هل هذا ما قد يشكل بداية قطيعة بيننا؟ يا أخي ماذا يغريك في البيت، ولماذا تعود إليه، ألم تمل هذه العودة وهذا الرجوع منذ أن تعارفنا بالمصادفة قبل خمسة عشر قرناً وأكثر؟ يا أخي، صدقني، منذ ذلك التاريخ والعربي داخل البيت، ولا يغادر البيت ويتربص بمن يغادره. ينتابني الشعور أحياناً أن هذه اللفظة أضحت من المقدسات الوطنية والقومية، والويل لمن لا يستخدمها أو يعيش فيها.
لكن قل لي، ودعني أتكلم بشيء من النرفزة كما تكلمت يوماً مع أحد الأصدقاء، ألا تصرخ أحياناً بهذه العبارة «لا، لا، لن أعود إلى البيت» وتكون صادقاً بضمانة رفع الصوت أمام الزوجة وأم الأولاد، أو أثناء الحديث معها على الهاتف؟ ألم تتعب كزوج من البيت ومن العودة إليه؟ لا، لا، هذه ليست دعوة لتخريب البيوت، بل هو مجرد سؤال ليس فيه من البراءة إلا مقدار حبة خردل. ولم لا... لماذا يراد للأسئلة التي بيننا أن تكون بريئة على طول الخط؟ لقد سئمنا، أنت وأنا، هذه البراءة الملغومة ومشتقاتها. ولذلك دعني أتابع السؤال بشيء من الخبث: ألم تمل الزوجة العربية من البيت ومن أثاثه، من تأنيب الزوج كلما حاص ولاص ومن تأنيب الأطفال كلما تأخروا عن البيت؟ لم لاتخرج هي من البيت ولا تعود إليه... لا، لا، هذا مستحيل وعليها أن تعود كلما خرجت، لأنها بنت بيت وبنت البيت لا تغادر البيت.
بيوت، بيوت، بيوت، من بيوت اللـه الحرام التي أكنّ لها التقدير والاحترام على طريقتي، والتي تغطي البلاد والعباد من المحيط إلى الخليج على طريقتها، إلى بيوت الشعر التي يقوم الشعراء على تأسيسها من المحيط إلى الخليج أيضاً. بيت الشعر المغربي، بيت الشعر الفلسطيني، بيت الشعر البحريني، بيت الشعر المصري، بيت القصيد السوري... إلخ. غريب أمر هؤلاء الشعراء الذين يرفعون لواء الحداثة، وغريب السحر الكامن بالنسبة إليهم في لفظة بيت: هل ضاقت اللغة العربية إلى هذا الحد، ولم يعد فيها سوى لفظة بيت لوصف مكان تجمعاتهم الدورية، أم لعلهم يؤدون صلاة ما على طريقتهم، ويريدون للنصوص أن تكون على غرار نصوص بيوت اللـه الحرام!!. ربما يكون الأمر هكذا في لاوعيهم وهم عنه ساهمون أو غافلون. لكن المثير أن أحدهم تبع الآخر في التسمية دون الخوف من تهمة التقليد المدانة في تاريخ الذهن العربي. والمثير أكثر أن لهذا البيت، على غرار بيت اللـه الحرام، رئيساً، أو إماماً ذكراً وليس أنثى تلطف جو الشعر والشعراء أثناء الاجتماع. ياشباب يمكن للأنثى أن تكون رئيسة بيت للشعر، في هذا البلد أو ذاك، وليست هناك فتوى نقدية تحول دون ذلك... لا، لا، الفتوى موجودة ومتجذرة، يتوارثها الشباب من جيل إلى جيل ومن مجال إلى مجال آخر حتى في الشعر.
كل ما تعرفه ذاكرتي عن لفظة بيت، يتسم بالقمع والإرهاب، من بيت الطفولة والأهل إلى البيت الشعري التقليدي، إلى بيت الطاعة، أي بيت الزوجية. تصور هذا الوصف المخيف لأول خلية في نسيج المجتمع العربي!!. كل ما يضاف إلى كلمة بيت له رائحة الطاعة والخضوع: فلانة بنت بيت، أو فلان ابن بيت، يعني أن التربية بيتية وحسب الأصول. وغالباً ما تقوم هذه الأصول على القمع وإلغاء الشخصية الفردية لصالح غيبيات يصعب إدراكها أو فهمها. ومقابل أولاد وبنات البيوت، أصحاب الحسب والنسب والتربية، نجد بشكل طبيعي أولاد وبنات الشوارع، الذين لهم في الوعي الجمعي العربي أدنى المراتب والصفات: فلان ابن شارع، لا تلعب مع ولاد الشارع يا بني، حكي ولاد شوارع... إلى آخر الأسطوانة المعروفة التي تجعل من الشارع شراً مطلقاً، ومن البيت في هذه الحالة، خيراً مطلقاً. يعني كل ما هو في الشارع، وخارج قوانين البيت محط حذر وارتياب، مع أن الجميع في اللعبة الدينية والسياسية، ومنذ التداول الحديث لهذه اللفظة، يريدون رضا الشارع، لا بل يتحول في نظرهم إلى مقياس شبه أكيد لدرجة الخير المطلوب.
صديقي العزيز
للبيت، والبيت الشعري ضمناً، رائحة قد تكون جميلة، لكنها لاتناسب حاسة الشم عندي... للبيت، والبيت الشعري ضمناً، دفء قد يكون لطيفاً ومريحاً، لكنه لايناسب تركيبة وبنية الأطراف عندي... للبيت، والبيت الشعري ضمناً، كالرحم، جدران وباب واحد، والشعراء لا يسكنون بين الجدارن ولا يخرجون من باب واحد. هذا بعض معاني البيت في اللغة العربية، فكيف تريدني أن أعود إلى بيت كهذا أو كغيره؟. لا، لا، لن أعود البيت وسأبقى مع أولاد الشوارع حتى الصباح.


moudaimah99@yahoo.co.jp 

الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 544

غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.

سعاده

مساحة حرة
لو دققنا النظر في تجربة الثورتين التونسية والمصرية من حيث هما ثورتان نجحتا في القضاء على الحاكم المستبد، لتبين لنا أن ما تبقى عليهما إنجازه أكثر بكثير مما أنجزتاه حتى الآن.
رفة جناح
يموتُ الشعراء وأصابعهم على زناد الحرف!. وإذا كانت مقولة سيماهم في نصوصهم تصحّ لاقتفاء سيكولوجيا الكاتب، فإن أسوأ كارثة يمكن أن يتعرض لها الشاعر، هي رحيلُ نصوصه قبل موته شخصياً!.
كاريكاتير
عداد الزوار