آخر تحديث بتاريخ الاثنين 15/08/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي
العدد كـPDF
تصنيف حسب العدد

عن الترجمة المشتركة للشعر(2/2)

ثلاثاء, 01/08/2017

صديقي العزيز

8- -

هذه التجربة في الترجمة المشتركة للشعر من العربية إلى الفرنسية، على تواضعها، هي التي سوف أعتمد عليها وأستغلها عندما حططت الرحال في طوكيو وباشرت الترجمة عن اليابانية بالتعاون مع بعض الطلبة الذين يتعلمون العربية في الجامعة.
كان عقدي مع جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية ثلاثة أعوام فقط. وكنت أرى أنه لزام عليّ، كناشط في مجال الثقافة، أن أنجز ما أستطيع إنجازَه عن اليابان والثقافة اليابانية خلال هذه الفترة، لفقر المكتبة العربية على هذا الصعيد. فارتأيت أن تكون البداية مع الشعر لأنه المجال الذي يعنيني بالدرجة الأولى قراءة وكتابة.

9- -

كنت، وفي غياب أدنى معرفة باللغة اليابانية آنذاك، أمام خيارين لاثالث لهما: إما أن أترجم عن الفرنسية، أو الانكليزية، وفي هذه الحالة لا معنى يذكر للوجود في اليابان، وإما عن اليابانية مباشرة بالتعاون مع أحد الطلبة، وفي هذه الحالة سيكون للوجود في بلاد الشمس المشرقة شيء من المعنى، وأستند في ذلك إلى خبرتي السالفة الذكر فألعب دور جيرار فيستير أو دور آن مينكوفسكي وأكون المُسْتقبِل (بكسر الباء) هذه المرة وليس المرسل، فأستجوب الشريك حول ما أبهم علي من نقاط، وأطلب الشرح والتفسير أكثر. ثم أضع الصيغة النهائية التي نتفق، نحن الاثنين، على أنها الأقرب إلى النص الأصلي. هكذا أنجزت كتاب "سفينة الموت/ مختارات من الشعر الياباني الحديث/ حوارات وقصائد" بالتعاون مع الطالبة، آنذاك، كاورو ــ ياماموتو التي أصبحت اليوم من المستعربين الجديرين بهذه التسمية. وهكذا أيضا بدأ احتكاكي الأول، الجدي والقاسي، باللغة اليابانية عبر الشعر ومفرداته إلى أن أصبحتُ ما أنا عليه اليوم من معرفة بسيطة بإيقاعات هذه اللغة وإيقاعات أبنائها.

10- -

أعتقد أن الترجمة بهذه الطريقة قادت إلى نص أقرب الى النص الأم وروحه أكثر مما لوكان عن لغة وسيطة كالفرنسية أو غيرها. هذا لايعني أن النص الفرنسي مثلا ليس وفياً للأصل، لا أبدا، فهو وفيٌّ وأمين في إطار اللغة الفرنسية وفضائها النحوي والدلالي. لكن في حالة الترجمة عن هذا النص سيكون التركيز بشكل طبيعي على نقل روح ومنطق اللغة الفرنسية وليس على روح ومنطق اللغة الأصل التي هي اليابانية في حالتنا. هنا يقع الفرق وتكون الخيانة مضاعفة. فما تنقله الفرنسية أو الانكليزية بجملة فعلية ذات زمن معين ماض أو مضارع مثلا، ربما تنقله العربية بجملة اسمية أو بشبه جملة أو ربما يأتي به السياق فلا نحتاج إلى ترجمته كما هو. والأمثلة التي وقعت عليها في إطار ترجمتي للهايكو ليست قليلة.

11- -

ولأن ذلك كذلك، ارتأيت الترجمة عن اليابانية بالتعاون مع أحد الطلبة الذين يدرسون العربية وثقافتها. وهذا ما أنصح به الأصدقاء المهتمين بالثقافة اليابانية، وتحديدا الهايكو والتانكا أو حتى الشعر الحديث، والذين تربطهم علاقة صداقة مع ياباني يعرف العربية أو لايعرفها، فهو سيقرب لك العبارة اليابانية وروحها أكثر مما لو كنت تعمل على نص وسيط جامد أمامك مهما كانت ترجمته ناجحة. ومن لا يصدق فليجرب، لأن شريكك الياباني بجانبك وسوف يشرح، ليس بالكلمات وحسب، وإنما باليدين والعينين وبحركة جسمه كاملا. وهنا يأتي دورك أنت في الالتقاط والفهم، وبقدر ما تفهم ستضع الصياغة الملائمة.

12- -

في حالة الشريك الذي لاتعرف لغته قليلا أو كثيرا، ستكون محكوما بما يقول ويشرح وأسير المفردات التي يستخدمها. ستشعر بضيق النفس والتنفس وقد تتبرم أحيانا وتقول لنفسك ليتني ترجمت عن لغة وسيطة وارتحت. والحالة هذه، فإنك تحتاج إلى صبر وأناة، إلى الاكثار من الأسئلة والنقاش. بصراحة هذا ما عانيت منه في تجربتي الأولى المذكورة أعلاه، وأعني "سفينة الموت، مختارات من الشعر الياباني الحديث".

13- -

كانت كاورو ـ ياماموتو في السنة الثالثة، على ما أذكر، أي في الواحد والعشرين من عمرها ولم تكن لها أيةُ خِبرة في الترجمة، فكيف بترجمة الشعر. والشعر الياباني الحديث، لمن لا يعلم، غامض هو الآخر كالشعر العربي الحديث وأكثر قليلا. كما لم يكن لديها، كشابة في هذه السن، أي اهتمام خاص بالشعر. وهذا طبيعي جدا. لكن ما دفعني إلى الاقتناع بها يومذاك والعمل معها، وتحريضها على العمل، هو كونها قد عاشت في دمشق وتعرفت على اللغة العربية ميدانيا هناك، بعد أن كانت قد درست قواعدها في جامعة طوكيو. لذلك كانت تعبر عما تريد بشكل مفهوم وسليم تقريبا. ثم إنها اقتنعت بفكرة التعاون بعدما تحققت من جدية المشروع وفهمت أن شاعرة يابانية بحجم كوراـ روميكو هي من سيختار القصائد. كما أنها كانت طالبة وكلها طاقةٌ وإرادةٌ للتعلم وتعزيز معرفتها بالعربية.

14- -

كان علي فهم ما يقوله النص الياباني ليس من خلال ترجمتها فقط، بل من خلال النقاش والأسئلة في كل جلسة عمل، ومن ثم أقوم بتدوير الجملة وزواياها مرارا إلى أن توافق على أنها أصبحت توازي الجملة اليابانية إلى حد معقول. هكذا وبهذه الطريقة تم إنجاز تلك المختارات. لكن وبصراحة، كنت أشعر دوما بنوع من الكبت إزاء النص الياباني لعدم قدرتي على أي احتكاك مباشر به واستنطاق أي شيء فيه. لذلك هذا ما عملت على تجاوزه، أو تحقيقه، لاحقا في الترجمات التي سوف أنجزها بالتعاون مع غير صديق وصديقة.

15- -

لم أعد أكتفي بما يقوله أو يكتبه الشريك، وأخذنا بالعمل على النص الياباني معا: إيقاع هذه الكلمة أعرفه جيدا وتعريبها كذا، وإيقاع هذه الجملة يقال بالعربية هكذا وليس هكذا. صرت أشعر بحرية أكبر للحركة بين ما يقوله ويكتبه الشريك وبين ما أفهمه أنا وأستوعبه من الجملة اليابانية. لذلك وفي مرحلة ثانية أو ثالثة وأخيرة، ومن أجل إعداد النص للنشر، رحت أعمل على النص الياباني من جديد بمفردي، تفكيكا وتركيبا، وما يمكن أن يقابل هذا أو ذاك بالعربية، وذلك للتحقق من أن خيانة الترجمة في أدنى درجاتها. بهذه الطريقة أنجزت مختارات من أعمال تاكوبوكو"كمشة من رمال" بالتعاون مع المستعربة أساكو تاكيدا، ثم " كتاب الهايكو الياباني" و"حكايات يابانية قديمة" و" أعمال تاكوبوكو الشعرية الكاملة" مع المستعرب كوتا كاريا.

16- -

وأخيرا صُرت أعمل على النص الياباني أولا بمفردي ثم أنتقل إلى استشارة أصدقاء مستعربين أو من خارج دائرة الاستعراب. وبهذه الطريقة أنجزت كتاب"البابا الطائر في السماء/هايكو معاصر" مستعينا غالب الأحيان بالشاعر نفسه صاحب الكتاب: بانيا ــ ناتسوإيشي الذي يعرف الفرنسية والانكليزية. ولكنه، ومن أجل الدقة، كان غالبا ما يفضل شرح النقاط الملتبسة، وهي كثيرة عنده، بلغته الأم أي باليابانية. لاشك أن النتيجة اختلفت، واختلفت معها درجة المتعة.

17- -

أزعم، وما أكثر ما أزعم، أن الترجمة، والترجمة الشعرية بشكل خاص، في غاية الامتاع. وتزداد متعة عندما تكون مشتركة أو بالتعاون. فكلما تعددت الأصوات ازداد النص المنقول غنى وازداد المتشاركون معرفة بلغتهم الأم تحديدا. ولذا سأزعم أيضا أنني تعلمت اللغة العربية أكثر ما تعلمتها وعرفت بعض أسرارها بالترجمة منها وإليها. 

الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 767

غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.

سعاده

مساحة حرة
لو دققنا النظر في تجربة الثورتين التونسية والمصرية من حيث هما ثورتان نجحتا في القضاء على الحاكم المستبد، لتبين لنا أن ما تبقى عليهما إنجازه أكثر بكثير مما أنجزتاه حتى الآن.
رفة جناح
أكثر من أسى يطلّ عبر معرض الكتاب في بيروت!. فالصور المنهمرة من الفيس بووك، تقول إن الكاتب السوري يظهر وكأنه يعيش في قارة أخرى، فهو يقف على الأطلال ليستذكر مدينة المعارض القديمة والاحتفاء بالكتب سنوياً في مكتبة الأسد ولاحقاً في المقر الجديد على طريق المطار!.
كاريكاتير
عداد الزوار