آخر تحديث بتاريخ الاثنين 06/06/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي
العدد كـPDF
تصنيف حسب العدد

عماد جنيدي.. ورحيل الشعراء!

ثلاثاء, 25/04/2017

صديقي العزيز
1- -
لي في الربيع من كل عام موعد مع الألمِ على شخص، أو على شيء حميم. لا شيء يستفزني أو يخيفني كاقتراب الربيع. فليت الطبيعة تلغيه من تحولاتها أو تستبدله بأشهر من الصيف والشتاء والخريف. إنه بين الفصول فصل الجحيم.
2- -
منذ ثلاثة أعوام رحلت أمي، حواء علي شعبان، في الربيع. والسنة الماضية فقدتُ في آن أخوين غاليين: أخي فياض، أبو الياس، في الربيع، وأخي الشاعر صالح بعده بأشهر في الصيف، وكنت قد كسرت رجلي قبل هذا في الربيع أيضاً، وها هو ربيع هذا العام يخطف مني شقيقاً من أشقاء الروح: الشاعر والصديق عماد جنيدي.
3- -
عماد جنيدي أسطورة الساحل السوري بامتياز، الجمالية، والشعرية، وحتى المسلكية، أسطورة الصدق مع الذات ومن الصعب أن تتكرر هذه الأسطورة.
ليس هناك من لا يعرف عماداً، أو الأستاذ عماد، أو الشاعر عماد وليس هناك من لايعرف عنه حكاية أو "نهفة" أو من لم يسمع بهذا الاسم، الظريف، المتجول بين حركات الشفاه.
ليس هناك شاعر من جيلي أو الأجيال اللاحقة أو من جيل عماد نفسه لم يسع إلى صداقته أو إلى اللقاء به. عماد كان بمثابة دار مفتوحة دوماً للتصديق على ألقاب: شاعر وكاتب وبالغ ورجل وصديق وكريم.. الخ.
وصداقاته كانت تغطي الأجيال جميعاً من الصغير إلى الكبير. كان له قلب يتسع للجميع وعقل قادر على التواصل مع الجميع. ومن يصادقه فكأنما يصادق الشعر نفسه، الشعر بحذافيره، بالصورة والصوت والإخراج. ولابد له من التورط في عالم الشعر قراءة أو كتابة. عماد كان يصيب بعدوى الشعر وعدوى السلوك.
4- -
صداقته ستوقعك حتماً في شباك الشعر والشعراء. "أنت شاعر" وسيوضح كيف ولماذا. بارع في تذوق الأشخاص وسلوكهم، وفي تذوق اللغة والكلام. لكنه لن يجاملك طويلاً إن لم يعجبه ما تكتب، ولن يؤذيك بكلمة واحدة ولا بحركة واحدة، وسوف يوصل رأيه ببراعة فطرية قلّ نظيرها. قد يغير الحديث، قد يدعوك إلى كأس، قد ينقد الشعر ويقلل من أهميته هو نفسه كشاعر، قد يفعل أي شيء لكنه قطعاً لن يجرحك وسيعدك باللقاء من جديد.
5- -
وصداقته ستوقعك حتماً في تقليد سلوكه، ولكنك ستفشل لأنه فطري جداً ويصعب تقليد فطرة الآخرين: خال من الخبث والعدوانية، وممتلئ بالمرح وطاقات الطفولة. فإذا ما ركب التاكسي، أو السرفيس، وهو مفلس فمن الطبيعي ألا يدفع للسائق عند النزول، أو يدفع شيئاً بسيطاً إن كان ولا بد، وقد شهدت ذلك مرتين إن لم تخنّي الذاكرة، لكن لا أعلم كيف كان يقنع السائق بأنه على حق ولا معنى لدفع إجرة الركوب. الشاعر الساحر ولا ريب!!. كان له في هذه الحالات أسلوب خاص، ومفردات خاصة، وتعابير وجه خاصة تصل إلى أعماق السائق. كان له في الظاهر شكل الرجال الأشداء، غير أنه ما إن يتكلم حتى تبدو على الوجه ملامح طفولة مشبعة بالنقاء.
6- -
إلى من يهمه الأمر
كان يحب العرق، نعم، وكان يشرب منه حتى الارتواء، نعم، لكن لم أسمع مرة أنه عربد وأخذه المشروب إلى هنا أو هناك. كانت طاقته على الشراب هاوية بلا قاع، وكانت متعته به أيضاً هاوية بلا قاع. عماد قبل الشراب، بصوته وحركاته، هو نفسه تقريباً بعد الشراب، فقط يزداد بريقاً ومودة، ويزداد بثه الإيجابي للسعادة والسرور. لم يكن يشرب ليقول شيئاً عجز عن قوله قبل الشراب، في الشعر أو في غيره من فروع. لم يستقوِ على نفسه أو على الآخرين بالشراب، كما يحدث عادة في المجتمعات المرضوضة الذهن والخاطر، وهذا التوضيح في غاية الأهمية. العدوانيات التي نلمسها عند هذا أو ذاك على كأس من العرق، لا وجود لها في تاريخ عماد جنيدي. لم يكن في حياته عدوانياً، لا قولاً ولا فعلاً، بعرق وبدون عرق، ولطالما تحاشى العدوانيين وصداقاتهم. كان من بين أكثر الناس سلمية ومن بين أكثرهم حرصاً على عدم إيذاء الآخرين ومن بين أكثرهم جهوزية للاعتذار إن حدث وأخطأ مع أحدهم.
7- -
عماد جنيدي شاعر، ولا يمنن، أو يذكِّر، أحداً بذلك، كما تفعل أنت وأصدقاؤك، منذ أول قصيدة نشرت لكم في بريد القراء. لا يطالب بسجادة حمراء أو خضراء أو زرقاء، ولا بتغيير الأوطان أو تكسيرها على هواه، ولا بإقصاء بائعات الهوى ومشتقاتهن كي يحيا الشعراء، ولا بعلم يرفرف فوق رأسه في الدروب والطرقات، كما يفعلها اليوم وغداً أغلب المتورطين بالشعر أو بالكتابة. عماد شاعر لنفسه وبنفسه، للناس وبالناس البسطاء. لم يستدعِ النقاد للحديث عنه وعن شعره، ولم يسع إلى صداقتهم وعقد الصفقات. لم يسع يوماً إلى خلخلة اللغة وكتابة قصيدة لا قبلها ولا بعدها. كان يدرك محدودية اللغة وعجزها. لذلك كان يستبدل اللغة بالسلوك في كثير من الأحيان. لم تعنه يوماً أوهام الشعراء وأحلامهم بالصيت والشهرة، فقد وصل إليها باكراً وبددها من الوجود. ولم يدافع مرة عن كونه شاعراً، كبيراً أو صغيراً، ولم يتورط مرة في تحديد ما ينبغي أن يكون عليه الشعر. وهذا موقف لا يستطيعه كثير من الشعراء، ودرسٌ كبير لمن يريد ويحب الشعر والحياة، وأعظم درس للثقافة والمثقفين أو لمن يريد أن يتعلم فنون الصدق مع الذات.
8- -
لكن أعظم ما كان يُدهش في هذا الرجل، هو أنه، وبخلاف البشر والشعراء منهم بخاصة، لا يغار من أحد ولا يحسد أحداً مهما بلغت المرتبة أو الشهرة. وهذا، لمن لا يعلم، سر من أسرار صحته النفسية والبدنية العالية حتى إلى ما قبل رحيله بقليل. فلا شيء يخرب الجسم والنفس كالغيرة والحسد ومراقبة العباد. ويبدو لي، ربما لي وحدي، أن الجميع كان يغار منه ويحسده، أو يغبطه، على هذه القدرة على الحرية التي يعيشها. قدرة فطرية بلا جدال وليس فيها أية صنعة أو تكلف. ولأنهم لا يقدرون عليها كانوا يلصقون به تهم الجنون والعربدة والفوضى. وعقيدتي أن المجتمع كله كان يعيش على هامش عماد جنيدي، فعماد كان المتن والناس الهوامش.
9- -
عماد كان متفائلاً دوماً، ضاحكاً دوماً حتى في حالات الغضب. ويبدو لي، ربما لي وحدي، أن علامات الغضب، أو غيرها من علامات الانفعالات الأخرى، لم تتمكن يوماً من إزالة ملامحه الضاحكة، الساخرة. كان عابثاً، ساخراً، باستمرار حتى باكراً في الصباح. لا شكوى يثقل عليك بها ولا نقيق. وإن حدث واشتكيت أمامه فستجد الجواب المريح. سيقنعك أنك بخير ولا شيء يؤذيك سوى نفسك. بصحبته، لا وجود لثاني أكسيد كربون الشعراء النقاقين أو البكائين ولا لسموم المثقفين المؤدلجين الأفاقين.
10- -
عماد كان يدرك أنه ابن محيط غاطس حتى الأذنين في التخلف والأميّة والظلام، فلم تأخذه أوهام النخب الثقافية وأولاد الصالونات الاستعراضية، صالونات العقائد الحزبية وأشباهها، في القفز على الواقع وخلق آخر من الخيال. كان يؤمن بتغيير هادئ، عقلاني وبطيء، انطلاقاً من الناس العاديين الذين قضى عمره بينهم لأجلهم، يُضحكهم ويضحك منهم وعليهم. وكان يدرك أن قفزة حقيقية واحدة بهؤلاء إلى الأمام ستحتاج إلى عشرات السنين من الإعداد. لذلك عاش بينهم على مهله، ولم يكن مستعجلاً للوصول إلى أبعد ما وصل إليه، تاركاً بقية الطريق للقادم من الأجيال. 

الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 761

غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.

سعاده

مساحة حرة
لو دققنا النظر في تجربة الثورتين التونسية والمصرية من حيث هما ثورتان نجحتا في القضاء على الحاكم المستبد، لتبين لنا أن ما تبقى عليهما إنجازه أكثر بكثير مما أنجزتاه حتى الآن.
رفة جناح
نقدياً، تمرضُ النصوص مثل البشر، فتُصاب بالفضيحة أو المراءاة والتواطؤ، ما يتطلب نقلها إلى غرف الإنعاش على جناح السرعة. النصوص تموت إذا نقصت فيها كميات الأوكسجين والحيوية والنُبل!.
كاريكاتير
عداد الزوار