آخر تحديث بتاريخ الاثنين 23/05/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي
العدد كـPDF
تصنيف حسب العدد

سياحة "سايحة"

ثلاثاء, 01/11/2011

صديقي العزيز... وأنا الآخر أيضاً لا أفهمه، ولا أفهم كيف يحمل كاميرته ويرتدي نظاراته السوداء، ويشتري بطاقة السفر لينطلق في رحلة سياحية، داخل البلد أو خارجه. يا أخي أين يذهب، وماذا يشاهد، وكيف يقضي الوقت» الذي من ذهب «كما يقال، هكذا تائهاً سائحاً بلا عمل. يعاتبني إلى حد الشتيمة، عندما أناقشه في هذا الموضوع، ولا أستبعد أن يقاطعني يوماً ما إذا بقيت أستغرب رحلاته السياحية وأعتبرها نوعاً من العبث، أو الهرب من شيء يخاف مواجهته، كأن يكون الواقع الذي هو فيه بين الأهل والأحبة والأصدقاء. يا رجل، لا عمل له بعد انتهاء الدوام سوى التنقل بين وكالات ومكاتب السفر، بشكل محموم، بحثاً عن عروض السفر المتوفرة والمناسبة، إلى أية جهة كانت. وكل ما يدخره من الرواتب يذهب على بطاقات السفر، وتحميض الأفلام، وشراء الألبومات لترتيب صوره السياحية فيها. حتى الثياب، لا يكاد يغيرها إلا بطلوع الروح وإلحاح الشباب عليه كلما رأوه بقميص، أو بكنزة، أو بجاكيت، من السنة الماضية، أو السنوات الماضيات. لذلك كان كلما أراني صورة له، في مدينة، أو في موقع سياحي، وسألته عن زمنها وتاريخها، كان ينسى ويجيب إجابة لا تنسجم مع تقنية الكاميرا، حيث يظهر التاريخ باليوم والسنة والدقيقة أحياناً، وكنت أستعجل بالتعليق على أنه يرتدي الآن القميص نفسه الذي في الصورة القديمة. كان يفهم إلى أين يذهب تعليقي، فيصمت ولا يرد، لكنه يحمرّ قليلاً، وكان يؤكد، أحياناً، أنه ليس القميص نفسه، بل هو جديد تماماً، واشتراه قبل يومين، لكن، وللمصادفة، من اللون نفسه. غريب أمر هذا الصديق يا عزيزي، كم يعشق القمصان والكنزات والجواكي القديمة!! ومنذ ذلك التاريخ، ألغى تقنية التأريخ من على شاشة كاميرته، فلم أعد أميز، في الآونة الأخيرة، بين الصور القديمة والحديثة. وصار لزاماً عليّ تصديق ما يقوله بخصوص ثيابه، من القميص إلى الجوارب، وإلى سروال الجينز الذي يرتدي منذ خمسة عشر عاما، وأنا واثق من هذا التاريخ، لأنني كنت برفقته يوم اشتراه من شارع الألبسة الجاهزة الشهير، وكان الجو صحواً إلى حد المطر.
أكاد لا أفهم كلمة سياحة، أو بالأحرى لا أريد أن أفهمها، إلا في الاستخدام العامي الشائع «وين سايح»، أو «وين طاير وسايح»، أي ما لك تسير وتتسكع، كالمجانين، على غير هدى، مع أن بعض ما تعنيه السياحة هو الذهاب في الأرض للعبادة والترهب، كما تقول القواميس. وأحياناً تختلط عليّ الأمور فلا أميز بينها وبين «صايع»، ذات الرائحة السلبية المعروفة، لا بل كثيراً ما يستخدمها الناس في بلادنا بهذا المعنى الأخير. لذلك يأخذه الضيق مني عندما ألتقيه في الشارع وأبادره مازحاً «شو وين سايح اليوم»، وأكون قد عنيت ضمناً «وين صايع اليوم» كالمجنون. لكنه، وبقلبه الطيب، يستسلم للأمر ويدعوني إلى القهوة، حيث يستسلم من جديد، لكن هذه المرة لإصغائي. يشعر بسعادة لا حدود لها عندما أصغي إليه، مستسلماً لبراعته، وهو يتحدث بحماس عن الأماكن الأثرية المشهورة التي زارها، من متاحف قديمة وحديثة، ومن كنائس وجوامع ومعابد، إلى بيوت مشاهير الفنانين والكتاب والمحاربين. ثم يريني صوره وصورها، ويسهب في شرح وتحليل كل صورة ومكان على حدة. أصغي إليه وأكون في الواقع شارداً، لا أعرف أين وفي أي شيء، لكنني شارد ولا أستوعب شيئاً مما يقول. وأريده أن يتابع الحديث، وبالحماس نفسه، كي لا أفقد شيئاً من شريط شرودي. يا أخي لا أعرف لماذا أصغي إليه، وأنا لا أطيق المتاحف ولا جميع الأماكن التي يقال عنها أثرية. وقد أخذته الدهشة عندما أخبرته أنني لم أزر، طوال عقد من إقامتي الفرنسية، أي متحف بباريس ولا أية كنيسة أو معبد، حتى اللوفر، وبكل مقتنياته القديمة والحديثة، لم يشدني مرة واحدة للدخول إليه، مع أنني كنت أعبر من أمامه، سيراً على الأقدام، عدة مرات في الأسبوع. وكاد ينفجر من الدهشة، عندما أخبرته أيضاً، أنني لم أزر متحفاً واحداً في طوكيو بعد كل هذه السنين، ولا نية لي بذلك قطعاً. حتى إنني لا أعرف إذا كان هناك متحف مشهور أم لا، لكنني متيقن من وجود شيء مماثل، إذ لا يعقل أن يكون أولاد الشمس المشرقة من دون متحف، أو دزينة من المتاحف. غير أن الأمر لا يعنيني في شيء، ولو تحول قبري، ذات يوم- من يدري-، إلى متحف لشققته وطفشت منه.
صديقي العزيز
وأنا أيضاً، أريد أن أفهم كيف تكوَّن في داخلي هذا الموقف من المتاحف والأماكن الأثرية. ربما أحتاج إلى عيادة نفسية، لأنه من غير المعقول أن تكون المتاحف بهذه البشاعة والفظاعة إلى هذا الحد...!! إلى حد أن واحداً مثلي يدعي الحداثة والمعاصرة، وهو لم يزر متحفاً في حياته إلا مرة واحدة وبالخجل. لكن الطريف في الحكاية، أن صاحبنا لم يصب بالدهشة عندما استلمت الحديث منه، ورحت أسهب في الكلام على حياتي، الأسبوعية الصاخبة، بين الخمارات والمواخير من باريس إلى طوكيو.


شاعر سوري مقيم في اليابان
moudaimah99@yahoo.co.jp 

الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 565

غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.

سعاده

مساحة حرة
لو دققنا النظر في تجربة الثورتين التونسية والمصرية من حيث هما ثورتان نجحتا في القضاء على الحاكم المستبد، لتبين لنا أن ما تبقى عليهما إنجازه أكثر بكثير مما أنجزتاه حتى الآن.
رفة جناح
كل مرة نبدأ فيها الكتابة عن الحرب، نكتشفُ أننا قد اعتدنا الدم!. أو أننا في الحد الأدنى، تآلفنا مع البقع الحمراء التي تتجمعُ تحت الأجساد المستلقية باستسلام فوق الإسفلت!.
كاريكاتير
عداد الزوار