آخر تحديث بتاريخ الاثنين 12/09/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي

تحية إلى حسن م يوسف..

ثلاثاء, 31/01/2017

صديقي العزيز

1- –

منذ وقتٍ وربما أكثر، لم أشعر بمتعة القراءة كما شعرت بها وأنا أطالع مجموعة " الساخر يخرس" القصصية لصاحبها حسن م يوسف. هذا الاسم/ الصديق الغني عن التعريف. ومن زماااااان أيضا لم أختم كتابا حتى النهاية، باستثناء الشعر، كما فعلت مع هذا الكتاب. وقد أبرقت لأخي حسن أشكره على استعادتي لمتعة القراءة بفضله.
بصراحة لستُ من قراء المطولات، الروائية منها والشعرية، وسرعان ما أضجر إذا ما شعرت أن الكاتب بطيئ في قول ما يريد قوله أو يتردد في القول. وهنا يكمن سر قراءتي لهذه المجموعة حتى النهاية وبسرعة. كما لو أنني كنت أقرأ شعرا على شكل قصة قصيرة.
وأكثر من ذلك أيضا، اكتشفت أنني قد أكون مستهلك قصص قصيرة من الدرجة الأولى وليس مستهلك شعر فقط. وهنا أيضا لابد من توجيه شكر آخر للأخ حسن لأنه وراء هذا الاكتشاف.
لكن ربما كانت طريقة قراءتي للشعر وراء هذه المتعة الطارئة. فأنا تعودت على قراءة الشعر بسرعة الضوء أو الصوت، وعندما يكبح النص هذه السرعة أدرك أنه ليس من الشعر/ أو ليس من الشعر الذي يستهويني على الأقل. وهذه حكاية رويتها في أكثر من مكان.

2- –

لكن أعترف أيضا أنني حريص على قراءة الأصدقاء، أو من تربطني بهم علاقة ما، قوية أو بين بين، مهما كان الجنس الكتابي الذي يقتلون به الوقت. وهذا ليس للإطلاع وحسب، بل لأنه يساعدني كثيرا على فهمهم والتعامل معهم وفق إيقاعاتهم وبالتالي الحفاظ عليهم ما أمكن. وفي هذا أيضا وجدت مبرراً آخر لقراءة "الساخر يخرس". فـ حسن م يوسف صديق قديم، وأخٌ في العناصر الخمسة، وأولها التراب. أليس هو صاحب تعبير:" أخوة التراب". يومها أخذتني هذه الجملة وذلك الفيلم وما زالا. هكذا كانت بي رغبة شديدة لمعرفة آخر محطات " العريف غضبان"، عنوان مجموعته القصصية الأولى.

3- –

لن أبحث لقصص مجموعة "الساخر يخرس" الست عن وظيفة أخرى غير القَص نفسه، ولن أحملها أية رسالة اجتماعية أو سياسية أو ما شابه إلى أية جهة كانت. فهي قصص يتمتع صاحبها أولا وقبل غيره بسردها. إنها متعة القص، متعة الحكي والسرد، وأجزم أنه يعيد قراءتها كلما شعر بالضجر ليستعيد متعته بها أثناء الكتابة. الكتابة التي تكون متعة لصاحبها هي التي ستشكل متعة القراءة لدى القارئ. و هذا ينسحب، كما أزعم، على جميع الفنون. ولا علاقة للأمر بالاجتهاد والجلوس وراء الطاولة وافتعال المتعة بالكتابة كما يحدث لكثير من الكتاب والروائيين أصحاب المطولات. الأمر له علاقة بالروح والمزاج والخبرة المكتسبة، وطريقة اكتسابها، من زواريب الحياة، زواريب الجغرافيا والبيئة قبل زواريب الكتب والمكتبات.

– 4 -

" صَلْعَةٌ حساسة!". عندما وصلت إلى هذا العنوان داخل المجموعة، ابتسمت وتساءلت: كيف اختار حسن م يوسف هذه الحبة ليجعل منها قبة، أو بالأحرى كيف تجرأ على ذلك؟ لأنه في النهاية يقدم نصا أدبيا يحتاج إلى مبررات جدية في نظر بعض النقد. فهل الصلع مادة جدية للكتابة؟ وماذا يمكن أن يقال بصدده وصدد الأخوة الصلعان؟ للكلمة وحدها رنين مثير للضحك، أو للسخرية في نظر الجميع. إنه رنين موروث في أغلب المجتمعات، وكأنما الصلع طرفة في عالم الرؤوس الكثيفة الشعر بشكل عام. ربما يكون الأمر كذلك، لكنه، أي الصلع، ليس قضية وتحتاج إلى معالجة كما درجت العادة في عالم الأدب. لكن يبدو أنه مشكلة حقيقية بالنسبة إلى بعضهم لأنه نشاز وليس كغالبية الرجال. فشعر الرأس نعمة أو زينة لا يراها سوى الصلعان كما يقال. وهنا يقع حسن م يوسف، المتخصص برصد الزوائد المضحكة، على طريدته، الصديق الأصلع زيد، فيلاحقه من مكان إلى آخر وبالحد الأدنى من المفردات والعبارات، ينبش كلّ تضاريسه النفسية المتأتية من الصلع. ينبشها ويتمتع بسردها على لسانه وكأنما يتحدث عن نفسه، كأنما هو الأصلع لدقة ما يسبر أغوار زيد، زيد الساخر من نفسه ومن صلعته. ولكم تمنيت ألا تنتهي هذه القصة التي خرجت منها وأنا أتحسس شعر رأسي للتأكد من أنه حسّاسٌ أيضاً كصلعة زيد.

- 5 -

الساخر يخرس!. هذا العنوان يعني ما يعنيه حرفيا وليس فيه أي مجاز. وله خلفية قلما يشار إليها. ففي المجتمعات الدينية، أو المطبوخة بالدين كالمجتمعات العربية، السخرية، أو الضحك أو الفرح المكشوف أو التهريج أو ماشابه، هذه أشياء ممنوعة أو شبه ممنوعة تقريبا في أعراف الناس. ولا يُستبعد أن يكون الدستور في بعض مواده يلوح بالتحذير من الفرح. لاشيء يزعج الثقافة الدينية، يعريها ويهز أركانها كالسخرية، مهما كان شكل وحجم هذه السخرية. ولا يخاف رجال الدين، وأشباههم، من شيء كخوفهم من مظاهر الفرح، مهما كانت بسيطة وعادية كالغناء أو الرقص أو الموسيقى. ومن تجليات سيطرة الثقافة الدينية علينا جميعا، وتغلغلها في الشرايين، هو الخوف من إعلان الفرح، من الضحك بصوت مسموع، ومن كل ما يمكنه أن يبث فينا شيئا من الايجابية. ونكاد نعتبر الفرح أو الضحك عيبا. لذلك من يضحك أو يفرح علنا، يُنظر إليه على أنه " واحد مهرج"، غير جدي، لا ثقة به، ودوما محل شك الجميع، ويُخرسه الجميع إن لم يخرس لوحده. كل هذا في الحالات الشفهية اليومية التي نعرفها جميعا، فكيف إذا انتقل الأمر إلى حالة التدوين، ستكون الطامة الكبرى وأولادها: اعتداء على مشاعر الناس أولا وعلى اللغة العربية المقدسة ثانيا. من منكم رأى، أو شاهد، أو لمح رجل دين يبتسم أو يضحك، أو يوصي بالفرح وبعض مشتقاته ويستشهد على ذلك بنص من الدين...من منكم قرأ نصا دينيا يوصي بغير التجهم والعبوس وتقطيب الروح والأنفاس. من هنا تأتي في نظري أهمية السخرية والكتابات الساخرة في مجتمعاتنا المضغوطة، بفعل الدين، من المهد إلى اللحد حيث تكون عصة القبر هي الضغطة الأخيرة.
لكن الكتابة الساخرة تحتاج إلى مهارة لغوية/" أخت أختها"/، قوامها الإيجاز والبيان، وإلا ينتفي عنها وصف السخرية وتتحول إلى شيء آخر. ويبدو أن القصة القصيرة، كما تتجلى عند حسن م يوسف، هي الصيغة الأكثر حظاً لاستيعاب لكمات السخرية الحارة والباردة. ولكنها أيضاً الصيغة التي لايجيدها سوى القلائل، فهي لا تقبل الوسط أو اللابأس: فإما جيد جدا وما فوق وإما لا...ولذلك يتحاشاها الشباب، كما أتوقع، ويذهبون إلى الرواية والشعر، حيث يمكن للغو أن يكون هو البطل. 

رقم العدد :