آخر تحديث بتاريخ الاثنين 06/06/2017 أسبوعية تصدر صباح كل اثنين / يصدرها في الشام الحزب السوري القومي الاجتماعي
العدد كـPDF
تصنيف حسب العدد

الياباني السعيد والمشغول

أربعاء, 24/08/2011

صديقي العزيز.... وإذا كانت أوروبا، كما تعرف، قد انتقمت من ذلك الأصل السماوي، بإقصاء اللاهوت ورجال الكنيسة عن الدولة وما يتفرع عنها، والانتقال إلى مرحلة جديدة، وهذا هو الثمن الذي دفعه الوعي الأوروبي للحداثة التي يعيشها اليوم، وهو ثمن باهظ جداً بكل المقاييس بالنسبة لوعي الفرد العادي، فإن الياباني لم يكن لديه أي «أصل سماوي»، ولا حتى أرضي، يقف في وجه الحداثة القادمة من الخارج البعيد. يعني لم يكن لديه، ولن يكون، ذلك اللاهوت الذي يحارب الحداثة ومشتقاتها. فكل ما لديه من عقائد روحية، شينتوية أو بوذية أو كونفوشية أو مسيحية أخيراً، تصب أولاً وأخيراً في بحيرة السعادة الإنسانية على هذه الأرض، وكل ما يشذ عن هذه القاعدة يصعب أن يجد له مكاناً في زوايا روحه المغامرة الضاحكة. حتى المسيحية بصيغتها اليابانية، سوف تجدها سعيدة داخل كنيستها وفي أقصى درجات السعادة، على عكس المسيحية الباكية، الحزينة، الكئيبة، التي نقع عليها في أغلبية أنحاء العالم. لهذا عندما احتك بالحداثة، أو بالأحرى عندما تحرشت به الحداثة عن طريق البحر ووصول سفن غربية إلى شواطئه، في أواسط القرن التاسع عشر، بعد انغلاق كان قد استمر قرنين من الزمن، واشتم فيها، أي في الحداثة، رائحة طيبة، لم يتردد في انتهاز الفرصة والتجريب. وبهذا الصدد، ليس هناك أبرع من الياباني في انتهاز الفرص على أي صعيد تشاء. لأول مرة سأفهم كلمة انتهازي على حقيقتها وبوجهها الإيجابي الصحيح، وسأعشقها دون التمكن من التحول إلى انتهازي لكثرة المبادئ التي تركن في قاع الروح.
سرعان ما اكتشف اليابانيون أن لاشيء لديهم يتناقض مع هذا القادم الجديد. فإذا كانت المادة، بالمعنى الغربي للكلمة، هي بعض أسس الحداثة، فإنها مكون جوهري من مكونات أبناء الشمس المشرقة، لكنه مكون لا ينفصل تاريخياً عن البعد الروحي، إن لم يكن هو نفسه ووحده البعد الروحي. وإذا كانت الكنيسة في أيامها، قد ألغت الدنيا لصالح الدين، أي ربطت السعادة بعالم الدين دون الدنيا، فكان الفقر والظلم والسواد، فإن الحداثة جاءت لتقلب الميدالية على وجهها الآخر، فألغت الدين لصالح الدنيا، أي ربطت السعادة بعالم الدنيا دون الدين، فكانت المادة والرخاء الظاهران. لكن هذا سيؤدي إلى خواء روحي لدى شرائح واسعة من المجتمعات الأوروبية الحديثة.... نعم، عندي بيت جيد، وسيارة، وراتب محترم، ووضعية عائلية جيدة، ومستقبل مضمون لي ولأولادي، ولا أؤمن بشيء، لكن أشعر بالفراغ، بالخواء، وأحتاج إلى شيء ما. لاشك أن هذا الشعور له علاقة قوية، واعية أو غير واعية، بتلك الجذور الدينية التي اقتلعتها الحداثة، وواجباتها، من حياة الأوروبي اليومية. هذا الشعور بالخواء، أو الفراغ، لن يستولي على الياباني عبر هذه الثنائية البسيطة، دين- دنيا، لأن عقائده الروحية ليست مبنية على الحط من شأن هذه الدنيا لصالح شيء آخر، ولا تعلق على شماعة هذه الدنيا أو غيرها خطايا العباد، لا بل إنها تقوم، كما سبق القول، على تقديس هذه الحياة الدنيا، وتقديس كل ما من شأنه أن يخلق السعادة لبني البشر. لم يكن لديهم إله يعارض، ويمنع، ويلغي، ويقيم محاكم للتفتيش، ولابد من قتله، على الطريقة الأوروبية، من أجل الحداثة. بالعكس، كان، ولا يزال، لديهم فائض من الآلهة الأرضية الباحثة عن السعادة بكل أشكالها فوق هذه الأرض. هكذا وجدوا الحداثة وكأنها خلقت لهم، فلم يبدؤوا من الصفر، بل من حيث كانت الحداثة قد وصلت في مهدها الغربي. لذلك، بعد نقلها كما هي، لم يكن أمامهم سوى إيصالها إلى درجة راقية من الهفهفة، بحيث يضيع الأوروبي ولا يفهم عندما يشاهدها في بيئتها الجديدة. بهذا المعنى، ونظراً إلى البنية التربوية والنفسية، تاريخياً، للشخصية اليابانية، ليست هناك أية معجزة فيما حققته اليابان حتى الآن، إذا أخذنا مفهوم المعجزة على أنها تحقق شيئاً خارقاً للعادة ودون مقدمات. وهذا لا ينسحب أبداً على الياباني المعروف بتقديسه للعمل، وترتيب المقدمات للوصول إلى نتائج جيدة. لو لم تكن البيئة اليابانية جاهزة تماماً، ومشغولة بعناية فائقة، للانتقال إلى مرحلة جديدة، أياً كان شكلها، لما استقرت الحداثة عندهم بهذه السرعة والثقة. وقناعتي الشخصية، أن اليابان كانت ستصل إلى ما هي عليه اليوم، أو ما شابهه، من دون الحداثة الغربية.
صديقي العزيز
لعلك ستضحك من هذه الحوصلة، ومن هذه القناعة الشخصية، وتتهمني كعادتك بالشطح، أو بالردح، أو بالإثنين معاً. لذلك، وطمعاً في سكوتك، سأضيف والله أعلم. لكن سأضيف أيضاً، إن تقديس الياباني للعمل ليس محاكاة، ولا تكراراً لأحد. لم يأخذه عن أوروبي، ولا عن صيني، ولا عن هندي، ولا عن عربي بالتأكيد، بل هو دمه الذي يجري في العروق، وكلمة السر في الموضوع هي تاريخه البيولوجي والنفسي، هي أنه مشغول من المهد إلى اللحد.


moudaimah99@yahoo.co.jp 

الكاتب : محمد عضيمة / رقم العدد : 556

غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها، وتنظيم حركة تؤدي إلى استقلال الأمة السورية استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها وإقامة نظام جديد يؤمن مصالحها ويرفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.

سعاده

مساحة حرة
لو دققنا النظر في تجربة الثورتين التونسية والمصرية من حيث هما ثورتان نجحتا في القضاء على الحاكم المستبد، لتبين لنا أن ما تبقى عليهما إنجازه أكثر بكثير مما أنجزتاه حتى الآن.
رفة جناح
نقدياً، تمرضُ النصوص مثل البشر، فتُصاب بالفضيحة أو المراءاة والتواطؤ، ما يتطلب نقلها إلى غرف الإنعاش على جناح السرعة. النصوص تموت إذا نقصت فيها كميات الأوكسجين والحيوية والنُبل!.
كاريكاتير
عداد الزوار